تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
للأشياء بواسطته ، فشهادة الرؤية للتبري ضرورة ، ولهذا من حكم على بصره بأحديته بريء عن التبري المذكور ، وأمكن النور المميز في قلبه ، فيعود ظاهره ظلمانيا لمحو الكثرة وباطنه نورانيا لتمييز المعاني الواردة من الخطاب السرياني وألسن الفهوانية ، فالخطاب السرياني هو خطاب الحق للشاهد ، والفهوانية هي الموارد التي ترد على القلب بغير فكر ولا داع ، ولا موجب . قوله : ( وطلع عين البصيرة ، وشهد له الكشف ) أقول : مراده بعين البصيرة شهود الشاهد للحق بغير حجاب ولا ظن ولا امتراء ، ومن هذا الشهود يظهر الفرقان بين النوم والكشف ، والموت والنوم يباين الكشف بالنقل والغفلة ، وعدم الحصر والحفظ والانطباع الثابت في مرآة القلب ، وكل هذه أوصاف لكشف يباين بها النوم ، فإذا حصلت البصيرة في النوم عرفنا أن مقام الشاهد لها برزخي بين الموت والحياة ولا تسمى هذه بصيرة لأنها لا تحقيق فيها ، وأما البصيرة فيشترط فيها التحقيق لكنها أعني النومية تسمى اسم استناد ، اسم اللّه المدبر إلى ذاته ، وحظ صاحب هذا المقام قوله صلى اللّه عليه وسلم : « الناس نيام ، فإذا ماتوا انتبهوا « 1 » » ، وهذا مقام لا ينسب إلى المعرفة ولا إلى العلم لأن صاحبه عامل قائم أبدا . وأما صورة الكشف فيباينه بالأوصاف المذكورة أولا ويضاف إليها ( البسط ) « 2 » أيضا ، واليقين بأن لا موت ولا حياة ظاهرة ، فتظهر البصيرة لصاحب هذا المقام ، فيتيقن أنه لم يكن مات ولا كان حيا بالحياة التي عاد إليها فإذا صار هذا المقام لصاحبه وصفا سمي صاحب الحال ، وإذا أفضى هذا الحال إلى فعل كان مقاما ظاهرا بخفاء الحال ، وأما
هامش
( 1 ) رواه البيهقي في الزهد الكبير ( 2 / 207 ) ، وأبو نعيم في حلية الأولياء ( 7 / 52 ) . ( 2 ) البسط : هو عندنا من يسع الأشياء ، ولا يسعه شيء إن واسع المغفرة ما ستر عدمية ماهيات الأشياء ، وهو الوجود العام المسمى بالرحمة العامة المطلقة ، التي وسعت كل شيء ، فمن تحقق بها كان رحمة للعالمين ، أصالة كالحقيقة السيادة ، ووراثة ، كمن يكون قلبه على القلب السيادي فيسع الأشياء ، ولا يسعه شيء يختص بدقيقة منها ، والقلب على الجملة إذا انتهى بسر « وسعني قلب عبدي المؤمن » ، حاز مقام البسط ، وقيل : هو الرجاء في الوقت الحاضر يقابل كون القبض حال الخوف في الوقت الحاضر ، وقيل : « هو وارد في جهة إشارة إلى قبول ورحمة وأنس إما بمنة الحق ، أو بأدب وعمل موجب » ، والعارف مبسوط في قبضه ، مقبوض في بسطه . وصاحب الحال إذا كان مقبوضا لا ينبسط ، وإذا كان مبسوطا لا ينقبض ، فشأن العارف أن يكون كالمعروف ، يجمع بين الضدين .
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 244 | أحمد فريد المزيدي / ست العجم بنت النفيس البغدادية