ووري عنها بالبحر لأن الوجود صادر عنها ، ومجموعه حي ، وقد قال تعالى :
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
[ الأنبياء : 30 ] ، فتسميته لها بالبحر مناسبة مماثلة .
( ص ) [ قوله : ( وطلع الأدب « 1 » في العارف « 2 » ، فشهد له عن أعمال تذكره أمر المطلع ، وطلع له المطلع وشهد له الحد ) ] .
( ش ) أقول : مراده بطالع الأدب في العارف هو الذي على العارفين من اللطفة والرأفة والرحمة وعدم الخصوص ، وهذا بالنسبة إلى الظاهر أدب ويفضي أيضا إلى حسن السيرة في المعاش الدنيوي ، لكن لا يظهر هذا على العارف إلا بعد اتصافه بمجموع ما تحتوي عليه المعرفة ، فإن كل علم من العلوم يختص بما يفتقر إليه أوصاف هذا الأدب المذكور ، فباتصافه بالأحدية يظهر عليه عدم الخصوص ، وباتصافه بالتفريق المفتقر إلى الجمعية يظهر عليه اللطف والرأفة ، وباتصافه بالجمعية مع ثبوت التفريق يظهر عليه الرحمانية ، فإذا اتصف بعد تمكين الفناء بالذات عاد فياضا ، واختفت هذه الأوصاف كلها كامنة ظاهرة في ذاته ، فهو يمد المفتقرين إلى هذه الأوصاف كلا بحسب افتقاره وقدر سعته ، فالمستمدون من حيث شهودهم للكثرة وتيقنهم للبعد يرون هذا أدبا لائقا بالسيرة ، فمنهم من يحصل له غيرة تفضي به إلى الحزن والعزاء ، فيكون عن عزائه شهادة على هذا الأدب الذي قد ظهر على هذا العارف .
فقوله : ( فشهد عزاء أعمال تذكره أمر المطلع ) يريد به شهادة الفيض الذي هو بغير واسطة فإنه يسمى أمر المطلع وأعماله ما يصدر عنه من المظاهر المتنوعة فمن حيث هي كامنة في ذات هذا العارف يشهد له بما يظهر عنه ، وذاته تحتوي على حاسد حزين صفته العزاء ، وأول ما يشهد للعارف من ذاته هي الصفة المنسوبة إلى الحسد وهذا نجده في الظاهر في أنفسنا ظاهرا ، فنجد ذاتنا تحسد بعضها بعضا على مجموعها وقد عرفنا أن الذات من حيث هي لا تحتوي من ذلك شيئا ، فعلمنا أنها صفات تشتمل هذه الذات عليها كالرحمة والانتقام ، فإن كليهما يغار من الآخر والذات الجامعة نفس كلا الصفتين
هامش
( 1 ) الأدب : وقت يريدون به أدب الشريعة ، وهو أدب إلهي يتولى تعليمه الوحي كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « أدبني ربي فأحسن تأديبي » .
( 2 ) هكذا في أصل المشاهد ، أما في الشرح : الأدب في المعارف ، وصحفت عزاء إلى عن في نسخ .