والنقلة منها إلى باقي الحضرات واحدة فواحدة ، وعند الوقوف في هذا الحد تدرك كيفية الفيض ويشهد صورة الانتقال إلى الظاهر ، فإنه على الواقف في الحد يمر المنتقلون عليه آن وقفته ، فيشهد صورة النقلة اضطرارا ، ومن حين اتصافه وإحاطته بالمجموع يدرك كيفية الفيض إدراكا ، وكل هذا الاطلاع والشهود والإدراك بواسطة الحد المختص بالأولية ، ولهذا قيل له : لما شوهد المطلع .
وقوله : ( فطلوع النور شهدت له الظلمة ) يريد به إظهار حقيقة الفناء في عين المتميزات ، فإن النور هو المميز ، وذات الظلمة هي المتميزة ، فاضطرارا شهد لنفسها بالتمييز إذا اتصفت بالتقييد ، ولولا النور كان يصدق الكمال في الوجود لأنه لم يتصف بالتقييد إلا بوجود النور المميز ، فمن حين افتقار الوجود إلى الاتصاف بالتقييد يشهد لطلوع النور ، لأنه مكمل بالتمايز ، والظلمة هي الإطلاق صفة ، والنور صفة التقييد ، وكمال الوجود عبارة عن صفتي إطلاق وتقييد ، والأصل هو الإطلاق وهو المعبّر عنه بالظلمة ، فلا يتمكن النور حتى يشهد له هذه الظلمة بالظهور ، وظهوره عين فيضه منها ، فلما كان هذا الشاهد قد ابتدأ بالمطلع في هذا المشهد ، قيل له : إن طلوع هذا النور الذي قد شهدته شهدت له الظلمة الأصلية حتى يتمكن له الشهود اتصافا وعيانا .
وقوله : ( وطلوع البدر شهدت له الشمس ) يريد بالبدر الطالع المعبر عنه بنجم الكشف لأن الطالع المذكور كامل ، ولهذا كان ممكنا لا مميزا لأجل كماله ، إذ لو كان لافتقر إلى التمييز ، وقد قلنا : إنه يظهر لا للتمييز ، والبدر عبارة عن تمام القمر ، ولهذا لا يفتقر إلى زيادة نور بعد اتصافه بهذا الوصف ، فإذا شهد الكامل للكامل بالكمال كان ذلك هو الكمال المطلق ، فالشمس حقيقة الشاهد الفانية في ذات اللّه الكاملة الفياضة ، والبدر هو الطالع المذكور ، فلما شهد اللّه تعالى أن هذا الطالع حقا يمكن هذا الشهود ، فقال له : ( وطلوع البدر شهدت له الشمس ) .
( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : من المطلع نزل من نزل ، ومنه علا من علا فاحذرني في المطلع ، فإن رأيت ظاهر سورك جاز الحد ، أنزلتك عن المطلع إلى الظهر ، وإن بقيت مع الحد ، رغب المطلع في مقامك ) ] .
( ش ) أقول : مراده بهذا التنزل إظهار حقيقة مقام الجاهل والعالم لأنه من حين علم الجاهل والعالم تحقق لهما مقامان علويا وسفليا ، فالعالم في المقام العلوي والجاهل لانخفاضه هبط مقامه السفلي ، وكل هذا تمييز من الأولية المعبر عنها بالمطلع الذي هو
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 236
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢٣٦