فقوله : ( من الحد ارتقيت ) يريد به انتقاله في حال هذا الشهود وارتقاؤه إلى حضرة الظاهر ، فإنه قد افتتح خلع هذا الشهود بوقوفه في الحد ، واطلاعه على الحضرتين المذكورتين ثم إنه جرى آتيا إلى حضرة الظاهر آخذا في جريه من الحد ، فلهذا قال له : من الحد ارتقيت .
وقوله : ( ولا تفارقه ) يريد به إظهار حقيقة الاتصاف المختص بهذا العارف الشاهد ، فإنه من حيث اتصافه بمجموع الحضرات يقال : إنه في إحداهن ، وإن قيل : إنه في الحد كان هذا القول حقا أيضا ، ويقال : إنه محمول فيكون قد اتصف بأوصاف التنزيه ، وهو حق أيضا ، فإنه من حيث اتصافه لا يفارق إحدى الحضرات ، ولا الحدود ، ولا المحيط إحاطة ، وكمونا ، واستعلاء ، فالإحاطة للظهور ، والكمون للفناء في ذات المسمى ، والاستعلاء للاتصاف بالتنزيه ، فكأنه قال له : ما دمت متصفا فلن تفارق الحد ، ولا المتميزات به .
قوله : ( فلو لا الظهر ما عرف البطن ) يريد به إظهار معنى الأولية ، فإن الأولية بالنسبة إلى الحضرات بمنزلة الظهر لأن الإقبال منهما آتيا على سبيل الأمام ، والأمام بمنزلة البطن ، ومحال أن يكون نقله إلا ناشئة عن الأولية ، فلو لا الأولية لما عرفت الموجودات الموري عنها بالبطن ، والحد في الحقيقة بين هاتين الحضرتين التي هي الأول والظاهر ، لأنه نقله من خفاء إلى ظهور والحد بينهما هو العدم ، فإن مال المنتقل إلى الظاهر أطلق عليه الوجود ، وإن مال إلى الأولية أطلق عليه العدم النسبي ، وهو الخفاء ودام في محله العلمي إلى حين رجوعه من هذا الخلع ، فالحاصل من هذا الخطاب هو أنه لولا الأول لما علم وجود باقي الحضرات .
وقوله : ( ولولا الحد لما شوهد المطلع ) يريد به أنه لولا وقوف الشاهد في هذا المحل الموري عنه بالحد لما شهد المطلع ، وهو محل فيض الأنوار ، فإن عموم الفيض يسمى محل النقلة وصورتها ، إلا فيض الأنوار ، فإنه يسمى المطلع لأنه يشهد فيه اختلاف الأنوار المميزة والمتميزة والظاهرة والخافية ، وكل ذلك يشهده العارف ، وهو واقف في الحد ، وهذا المطلع مختص بالذّات مباين لإحدى الحضرات ، ولهذا لا يشهد إلا في الأولية ، لأن الفيض من الذات إليها فتصير صورة الفيض علما ومعناه معلوما ، ثم إنه ينتقل من الأولية إلى الظاهر فيسمى ظهور المعلومات وتمكين تمايزها ، ولا يجوز أن يقال على إحدى الحضرات فيض ، ولا مطلع أيما حضرة كانت إلا الأولية ، فإن الفيض من الذات عليها
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 235
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢٣٥