الحركة آخذة إلى التقييد وحقيقته لا تحصر ، وإنما النزول مختص بحقيقة التقييد ، ولهذا كان مقيدا بسماء الدنيا ، وهي قلب السماوات على ما تشهده ، فلو تقيد العارف ما دام حيا ظاهرا كانت حقيقة تقييده عين إطلاقه ، ولو تكلم أيضا كانت حقيقة كلامه عين صمته ، وكان الكلام منه معهودا كالمماثلة فيه ، وهو مختص بالفناء دون بني جنسه ، فمن حين صدق عليه هذا الفناء عاد إذا صحت كان قد ظهر بحقيقة الإطلاق ، وإذا تكلم كان قد ظهر بصفة التقييد والأصل في الحقيقة هو الإطلاق ، والديمومة هي زمان هذا الإطلاق المختص بحقيقة اللّه ، والأبد عدم انقضائه فمن اتصف بهذه الحقيقة المطلقة يعود صامتا لفنائه فيها ، والأصل لها هو الصمت فإن تكلم كان الكلام عارضا عليه كما يطرأ عليه التقييد ، وهذا العارض ضروري لازم عن الكمال .
( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : إن صمت اهتدى بك كل شيء ، وإن تكلّمت ضل بك كل شيء ، فاطلع تكشف ) ] .
( ش ) أقول : مراده بهذا الخطاب تنبيه هذا العارف عن حقيقته الكاملة الفانية لأنه قد كان في هذا المحل في وصفه التقييد وهي مباينة لصفة الإطلاق ، ومتى انفرد العارف في بعض شهوده بصفة من الصفات نبهه المشهود على الصفة الخافية لئلا يحصل له عارض نسيان لاعتقاده أن الصفة الثانية معدومة هاهنا ، وقد كان تنبيهه على سبيل الزجر مائلا إلى الجهة الفانية المقصودة ، فكأنه قال له : ( إن صمت ) أي : إن أطلقت بعد هذا التقييد ( اهتدى بك كل شيء ) أي فني في ذاتك الباقية الموصوفة بالإطلاق ، ( وإن تكلمت ) أي إن عدت إلى التقييد ، ( ضل بك كل شيء ) يعنى يميز عنك ، وعادت الموجودات شاهدة للقرب متيقنة للبعد ، وهذا عين الضلال إذ الحقيقة لا قرب فيها ولا بعد وخروجه من صفة إلى صفة وعوده إليها هو من شروط كماله لأن الوجود الحقيقي يتقيد أنا وينطلق أنا ، والعارف قد اتصف بالمجموع ، فإن إطلاقه يتحد بالأشياء ويظهر عليها حقيقة الفناء في ذاته ، فيتصف بالبقاء الخالص ، وهذه حقيقة الهداية وآن تقييده يتميز عن الموجودات ، ويعود شاهدا ومشهودا وكثيرا ومتمايزا ، ثم يطرأ النقص عن المقيدات والنقلة وتقتضي
هامش
الشين إن كانوا من المردة كقوش قليوش ، وإن كان الروحاني إنسانا تروحن ، وبلغ في التقديس حد الحق له التسمية ، سمي بمثل هذه الأسماء كهابيل ، وإسماعيل .