تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
للعادة شيء حي غير ناطق إلا عصا موسى ، فلهذا ووري عن الألف بها . وقوله : ( ثم قال لي : في الصمت وجودك ، وفي النطق عدمك ) أقول : مراده بهذا الخطاب إظهار وصف الشاهد بالأحدية المذكورة البائنة عن الثنوية ، فإن وجود الشاهد حقيقة يكون في حال ظهور الصمت عليه ، لأنه يكون قد اتصف بالمجموع الذي لا يحصر ولا يطلق عليه التقييد ، ووجود العارف الكامل هو الوجود المجموع ، فلا تظهر حقيقة العارف الوجودية إلا بوجود الصمت ظاهرا عليه تنزلا كالتذكير للشاهد ، فإنه من حين اتصف بالفناء الذي هو المحو كان وقد شهد لنفسه هذا الوجود ، فلا فائدة لهذا التنزل من التحذير عن النسيان . وأقول : إن العارف لا تطرأ عليه هذه الصفة ، فقد خوطب بهذا الخطاب وهو في خلع مختص بالتقييد والتقييد هناك مباين للإطلاق ، فللنسيان هناك وجه ما ولكل هذه الصفات واردة لأجل إحاطته بالكمال ، فإن اللّه تعالى قد أطلق النسيان على نفسه في كتابه بقوله تعالى
نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ
[ التوبة : 67 ] ، قوله : ( وفي النطق عدمك ) يريد بالنطق صورة افتقار المقيدات فإنها صفة لا تظهر إلا في حال التقييد المباين للإطلاق ، فعدم إطلاقه الكمالي في صورة افتقاره المعرف بالنطق ، فإنه متى نطق الإنسان وهو متيقن بالثنوية كان نطقه افتقارا كما قررناه ، فكأنه قال له : عدم وجودك الناشئ عن الكمال في صورة افتقارك الدال على التقييد البائن عن أحديتك . قوله : ( ثم قال : ما صمت من صمت ، وإنما صمت من لم يصمت ) أقول : يريد بهذا الخطاب إظهار حقيقة النطق في جميع الموجودات ، فالصامت يظن به أنه ليس محلا للنطق والحركة وليس كذلك ، وإنما سعة العظمة مع كمال الواحد تعالى أوجبت مشهودا صامتا ومشهودا ناطقا ، وهاهنا يحصل للشاهد الحيرة ، فإنه قبل الشهود كان يشهد صمت ما يعهد منه الصمت في الظاهر ، فلما شهد الحيرة سارية في المجموع تيقن أن هذا الصامت بعينه هو الناطق المعهود ، واستدل بقوله تعالى :
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
[ النمل : 88 ] ، ومثال هذا الحكم الحقيقة الإنسانية ، فلو فرضنا أن إنسانا متكلما أو إنسانا صامتا كان المتكلم عين الصامت ، لأن الحقيقة الإنسانية في النطق كما هي في الصمت ، فإذا شوهد صامتا وناطقا كان الصامت في الحقيقة ناطقا والناطق صامتا . فقوله : ( ما صمت من صمت ) يريد به أن المعهود بالصمت ناطق عن الحقيقة لأحدية الحياة في مجموع الوجود .
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 229 | أحمد فريد المزيدي / ست العجم بنت النفيس البغدادية