تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
وقوله : ( إنما صمت من لم يصمت ) يريد به خصوص الإنسان بالفناء في ذات اللّه تعالى كما اختص بالنطق دون غيره من الموجودات ، فحقيقة الإنسان ناطقة طبعا ، وعند الفناء المذكور في الحقيقة يعود الإنسان صامتا يقطع بعدم الثنوية يقينا ، ويصير في محل لا خطاب فيه ولا سمع ، والمعرفة مختصة بالإنسان ، فكأنه قال : ما صمت المعهود بالنطق الذي يدركه الإنسان عند الفناء في الحقيقة ، وهذا الصمت يكون للإنسان في المرتبة الثانية المعبر عنها بالوقفة وشهود المحو وهو الاتصاف بالأحدية ، فكل إنسان عارف لابد أن يقوم في هذا المقام « 1 » ويتصف بهذا الوصف قوله : ( ثم قال لي : تكلمت أو صمت فأنت متكلم ، ولو تكلمت أبد الآباد ما دامت الديمومية ، فأنت صامت ) أقول : يريد بهذا التنزل إظهار معنيين أحدهما : حقيقة النطق في الإنسان ، والثاني : حقيقة الصمت في الإنسان العارف . فقوله : ( تكلمت أو صمت فأنت متكلم ) ظاهر المعنى لأن الحقيقة الإنسانية عبارة عن الحي الناطق . وقوله : ( ولو تكلمت أبد الآباد فأنت صامت ) يريد به أن الإنسان العارف الكامل وإن شوهد منه النطق ، فإن نطقه عين صمته ، ويكون نطقه كقول اللّه على لسان عبده : سمع اللّه لمن حمده ، وهذا مثل ما يشاهد في التقييد وحقيقته مطلقة ، وقد قلنا : إن تقييده بمعنى النزول في الثلث الآخر من الليل ، والحقيقة الإلهية « 2 » من حيث هي لا تطرأ عليها
هامش
( 1 ) المقام : عبارة عن استيفاء حقوق المراسم الشرعية مما تعين عليه بأمر الشارع من المعاملات ، وصنوف العبادات على التمام والكمال ، بحيث لا يفوته شرط من شروطها ولا لازم من لوازمها . والمقامات على أقسام : منها : ما يثبت شروطها ، ويزول بزوالها ، كالورع مثلا ، فإنه في المحظورات والمتشابهات ، فحيث فقدت فقد الورع ، وكذلك التجريد ، وإنما يكون بقطع الأسباب مهما فقدت التجريد ، ومنها : ما يثبت إلى الموت ثم يزول ، كالتوبة ، والتكاليف المشروعة ، ومنها : ما يثبت مع الداخل فيها إلى الأبد . كالأنس ، والبسط ، والظهور بصفات الجمال . ( 2 ) ويقال أيضا الألية : كل اسم إلهي مضاف إلى ملك أو روحاني ، فالملك كجبريل ، وميكائيل عليهما السلام ، فإن الجبر ، والميكا من أسماء الملائكة ، وقد أضيف إلى إيل ، وهو بالسريانية والعبرية ، بمعنى اللّه ، ولذلك قام مقام البسملة في التوراة قوله تعالى : « إي أجون شداي » ، والروحاني مثل الجن ، فإن أسماءهم أيضا تضاف إلى إيل ، إن كانوا من أهل النور ، ويضافوا إلى
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 230 | أحمد فريد المزيدي / ست العجم بنت النفيس البغدادية