استصحاب صوري لا حقيقي ، ولهذا عند انفرادها يطلق عليها الواحد كما قلنا ، فهو بصورته المراد للتعريف مستصحبا لها لا بمعناه ، وكونها لا تشعر باستصحابه لأجل تمكين التقييد المراد للكمال ، فإن المقيدات لو علمت أن ذواتها واحدة لكان نفس العلم مباينا للتقييد ، ولو أدركت أحدهما إدراكا لكانت متضادة للتقييد حقيقة ، ولم يكن الكمال حاصلا لكون الوجود إطلاقا صرفا لكمال عبارة عن الإطلاق والتقييد متباينا أو متضادا ، ففي آن التضاد إذا ظهر التقييد يجب اضطرارا أن لا تشعر المقيدات بكونها واحدة ولا تدرك أيضا ذلك .
( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي الحروف موسى ، والألف العصا ، ثم قال لي : ما صمت من صمت ، وإنما صمت من لم يصمت ، ثم قال لي : تكلمت أو صمت ، فأنت متكلم ، ولو تكلمت أبد الآباد ما دامت الديمومية فأنت صامت ) ] .
( ش ) أقول : بتورية الحروف عن موسى النطق وأيضا ، فإن نفس البعثة تمكين التقييد إذ لا يكون مبعوثا إلا مع ثنوية ، وشيمة الرسل إثبات رب وعبد ، وكل هذا من صفة التقييد فالحروف من حيث هي تقييدها لا تدل على الإطلاق بل تضاده ومن حيث هي لا تعلم الإطلاق ، وقد نزل في الكتاب أن الخضر « 1 » قال لموسى :
وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً
[ الكهف : 68 ] ، فموسى من حيث الإرسال كان لا يشعر بالإطلاق ، بل بنيت ضده وإن كانت الرسل كلها من حيث الإرسال بهذه المثابة لكن موسى مختص بالعصا دون غيره ، فلهذا ووري عنه بالحروف لأنها ملائمة للألف في التسمية الحرفية فهي مقترنة به اقتران موسى بالعصا ، فليس في الأنبياء من يترجم عنه بهذه الترجمة سوى موسى إذ العصا معجزة وهي مقرونة بالظاهر له صلى اللّه عليه وسلم .
قوله : ( والألف العصا ) معناه دلالتها على الأحدية لأنها صامتة ، وليس توريته عنها بالألف إلا من أجل الصمت ، وهي تورية حقيقية لأنها كانت ذات حياة وهي صامتة كما أن الأحدية التي هي منشأ الألف يعرف بها حي صامت ، فليس لنا من الموجودات الخارقة
هامش
( 1 ) الخضر : كناية عن البسط وإلياس عن القبض ، وأما كون الخضر عليه السلام شخصا إنسانيا باقيا من زمان موسى عليه السلام إلى هذا العهد ، أو روحانيا يتمثل بصورته ، فلم يرشد إليه نقل وغير محقق عقلا ، بل قد يتمثل معناه له بالصفة الغالبة عليه ، ثم يضمحل ، وهو روح أو روح لك أو روح القدس هذا عند العامة ، وأما عند المحققين وجوده ثابت .