تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
الواحد ، فإنها نطق على كل مقيد هذا ظاهره وأما حقيقته فإن الألف متحد بالحروف اتحاد مفني كما قررناه أي حرف تمييز أطلق عليه واحد لفظا ، فالأحدية المعرفة للإطلاق وإن كانت مضادة للتقييد ، فإنها متحدة به ، ولهذا أي منهما ظهرت أفنت الأخرى ، ولولا أننا نطلع على جميع المتضادين عيانا وإدراكا واتصافا لما أثبتنا ؛ لأن الإطلاق والتقييد متحدان ، وعرفنا من ذلك أيضا أنه في حال ظهور واحدة منها لا تعدم الأخرى ، وإنما تخفى خفاء في ذات الظاهرة خفاء اتحاد ، فكل منفرد متمايز في الظاهر هو متحد في الحقيقة التي أصلها منشأ الألف ، ففي الظاهر إذا نطقت الحروف كانت بصورة آحادها ناطقة وليست بمعانيها . قوله : ( وليست الحروف ناطقة في الألف ) يريد به أنه ليس التقييد دالا على الإطلاق ، فإننا لو نشهد فناء المقيدات لما حكمنا لها بالواحد ، فمن حيث تقييدها الظاهر تضاد الإطلاق ، ولهذا كلاهما لا يظهران في الظاهر ، ولا ندركهما ، ونحن في عالم البشرية . ومن هاهنا قال تعالى :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
[ الشورى : 51 ] ، فإذا قال العارف : رأيت اللّه أو قال لي فلا يظن أن هذا له في حكم البشرية ، فالمقيدات من حيث ظاهرها مضادة للإطلاق الذي هو صفة الحق « 1 » فلا تدل على معناه ، وإن نطقت بصورته ، فالنطق في ذواتها لا في ذات الألف إذ ليس في معناه كثرة . قوله : ( والحروف مدبرة عن الألف ، والألف مستصحب لها وهي لا تشعر ) يريد بهذا التدبير تكوين الصور الحرفية الناشئة عن ذات الألف فنشأ فيض ، كما أن المقيدات صادرة عن الواحد أيضا نشأ فيض ، فهي مدبرة في صورها لا في معانيها ، فإن معانيها من حيث هي كثرة دالة على التقييد ، فلو دلت على معنى الألف كان الحاصل منه إطلاقا ، فتدبيرها عن الألف تدبير انفعال لا نشأة ، فإن الألف كلما ظهر اللّه بمظهر ينطلق عليه حرف كان الألف ناظرا نفسه في مرآة ذلك الحرف ، وهذا النظر يوجب ثبوت الانفعال ، فهذا تدبير ظاهر لا تدبير حقيقة إذ هو صورة انفعال ، وكونه مستصحبا لها هو
هامش
( 1 ) الحق : ما وجب على العبد من جانب اللّه تعالى ، فيما أمره به ، ونهاه عنه ، وأوجب الحق على نفسه كما قال اللّه تعالى :كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ[ الأنعام : 12 ] ، وهي الرحمة المختصة بأهل الإيمان ، فإن حظهم من الوجود ما قيده الاسم الهادي .
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 227 | أحمد فريد المزيدي / ست العجم بنت النفيس البغدادية