الألف نشأ عن الأحدية لدلالته عليها من وجهين :
الأول : كونه أولا ، والواحد للظاهر بهذه الأشياء كان قبلها .
والثاني : أن حظه من العدد واحد وهذا نصيبه صورة انفعاله ، فإنه إذا شهد أحد نفسه في مرآة لا يريد انطباعه على صورته ، والمرآة تمكن التمييز وتعطي نصيب المتمكنين من الانطباع والظل « 1 » ، فظل الألف واحد وهو ناطق وصورته المنطبعة واحدة وهي نصيبه من العدد وليس صمته من أجل الانطباع ولا الظل ، وإنما صمته لكونه ناشئا عن الأحدية بغير واسطة سوى الإرادة ، وقد قررنا في كتاب الختم عند كلامنا على سر الحروف .
وقوله : ( والحروف ناطقة ) يريد به دليلا على التقييد مباينا للإطلاق ، فإن النطق موضوع لحاجة التعريف وافتقار المقيدات ، فمن حين صدق عليها التقييد افتقرت إلى النطق ، وظهر تعالى للمقيدات بصورة جذب وعطاء وقبول ، وقد ضادت الإيجاد بتمكين تقييدها ، فجعل العطاء صورة فيض ، وجعل النقص صورة تلقي ، وجعل السمع صورة قبول انطباع ثابت ، فأفاض الناطق الممتلئ على المفتقر الجاذب صورة لطف ناشئ عن الجمال ومكنه ، فصار شبيها بالمعنى ، فلما حصل في محل السمع صار صورة معلوم ثابت في قابلية السمع ، وليس دالا على معنى ، لكنه مكملا للمفتقر الجاذب أولا ، فلما كمل هذا المفتقر نشأ عن كماله إرادة ، وتمكنت الإرادة وصارت علما ، والعالم به ممتلئ مريد للتكوين ، وليس هو هاهنا مفتقر إلى كماله بالنطق ، فيكون العالم بذلك العلم صورة حرف ، فكأن الحرف مترجما عن معناه أي دالا عليه ، فمن حيث ترجمة الحروف عن معانيها هي ناطقة وصورة نطقها دلالتها ، فلما كانت دالة على معانيها أي مترجمة كان الألف دالا غير مترجم لأنه دال على المعنى الصامت كما ذكرنا .
وقوله : ( والألف ناطق في الحروف ) يريد به الدلالة المذكورة ، فإن كل حرف مميز نطق عليه واحد في الظاهر ، ويقبل هذا قبولا ملائما ، فلما رأيناه قائلا لهذا الاسم عرفنا أن الألف باتحاده بالحروف في الحقيقة دال على معانيها فيها ، ويريد بالألف هاهنا لفظة
هامش
( 1 ) الظل : وجود الراحة خلف الحجاب ، هذا من باب إطلاق الملزوم ، وإرادة اللازم ، فإنه قد أطلق الظل وأراد الراحة التي يجدها المستظل به ، فإذا كانت السبحات الذاتية محترقة ، فالحجاب الذي يمنع سوايتها كظل يعطي الراحة .