تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
وقوله : ( فلا تتكلم ) فيه إشكال ينزع إلى المغالطة إما من الشاهد وإما من المشهود ، وذلك لأن الصفة محل الكلام لأنها متمكنة في التقييد المضاد للإطلاق البريء عن الخطاب ، فلولا تقييد الصفات لما كان مخاطبا ومخاطبا ، فقوله : أنت صفتي مقتضى الكلام . وقوله : ( فلا تتكلم ) يوهم التناقض على رأينا ، لكن له وجه خاف إلى الحقيقة يفهم من قوله : ( إلا إذا نظرتك ) ، فكأنه قال له : أنت صفتي فلا تتكلم إلا إذا نظرتك ويريد بالنظر هاهنا نظر الإرادة ، فبالحقيقة لا تتكلم الصفة إلا بمراد الموصوف . قوله : ( وأنا أنظرك دائما ) يريد بهذا النظر الإدراك ، فمادام اللّه متصفا بهذه الصفة المخاطبة ، فهو مدرك لها ، وهذا كله في صفة التقييد المباين للإطلاق ، وهي صفة تفني الشاهد والمشهود . قوله : ( فخاطب الناس على الدوام ولا تتكلم ) يريد بالخطاب هاهنا صورة الفيض إما في الحقيقة ، وإما في الظاهر ، فإن كان في الحقيقة فهو صورة ما ذكرنا من مماثلة الكامل للصورة المسماة ، فالصورة تفيض على الكامل مظاهر وصفات ، والكامل يفيضه على الوجود إذ هو سبيل اللّه إليه وموضع نظره كما قال : وإن كان الذي في الظاهر فكامل يفيض العبارة طبعا وتعملا فمن حيث هو ناطق نسميه متعملا ومن حيث هو عالم « 1 » فياض نسميه متطبعا إلى يفيض طبعا فهذا الفيض الطبيعي المنسوب إلى العلم لا يفتقر فيه إلى النطق وهو المراد ، بقوله : ( فخاطب الناس ولا تتكلم ) وأما الخطاب المتعمل في اصطلاحنا ، فيفتقر فيه إلى النطق اضطرارا من أجل التقييد الظاهر . ( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : صمتي ظاهر وجودك وكونك ، ثم قال لي : لو كنت أنا صامتا لم تكن أنت ، ولو تكلمت أنت ما عرفت أنا فتكلم حتى أعرف ) ] . ( ش ) أقول : مراده بهذا الخطاب تمكين فناء الموجودات وعدم النطق إذ النطق مباين للإطلاق ، وبواسطة المقيدات عرف الإطلاق ، فهذا الخطاب المدرك للمقيدات والوجود المقيد ليس له حقيقة ، فعين هذا الخطاب المدرك للمقيدات هو حقيقة فنائها إذا كانت دليلا على الإطلاق المحقق لكمالها ، فالصمت في عين الخطاب والخطاب في عين الصمت ، وهذا مثل قوله : ولو علموا أن في شدة الوضوح لغز الأشياء ورمزها لسلكوه ، فكأنه قال :
هامش
( 1 ) العالم : هو من أطلعه اللّه على ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله لا عن شهود بل عن يقين .