نطقه لعارض عرض في سبيل النقلة الكمالية المختصة بالإنسان كالخرس الذي عرض لهذا الإنسان الشاهد في حال شهود الصمت ، ( وهو حقيقة صمتك ) يريد به أن الإنسان مختصر الوجود والوجود من حيث هو صامت من أجل أحديته ، لأن الخطاب لا يكون إلا مستصحبا للثنوية ، والوجود قد ثبتت أحديته علما وعيانا ، فإذا كان هذا الشاهد مفطورا على الكلام ، وهو متصف بمجموع الوجود فتكون فطرته الجزئية ناطقة ، وحقيقته الجمعية صامتة .
قوله : ( فإذا كنت متكلما فأنت صامت ) يريد به معنى ما تقدم عليه من الشرح لكنه يفتقر إلى زيادة إيضاح ، فنقول : إنا قد قلنا : إن هذا الشاهد متصف بمجموع الوجود من حين كماله فمن صفاته الإطلاق ومن صفاته التقييد ، فحقيقة التقييد هي الإنسانية الموصوفة بالنطق وحقيقة إطلاقه هي الوجود الموصوف بالصمت ، فإذا نطقت جزئيته الإنسانية كانت جمعيته العامة صامتة ، ولهذا جعل اللسان عضوا صغيرا بالنسبة إلى جسم الإنسان وجعل الإنسان جزءا صغيرا بالنسبة إلى مجموع الوجود ، فالإنسان يستمد من الوجود النطق ويمد به لسانه ، فإذا كان الإنسان ناطقا لم يصدق على جسم الإنسان النطق ، وإذا كان الإنسان ناطقا صدق على مجموع الوجود الصمت لأنه حقيقة صفته .
( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : بك أتكلم ، وبك أعطي ، وبك آخذ ، وبك أبسط وبك أقبض ، وبك أرى ، وبك أوجد ، وبك أعلم ) ] .
( ش ) أقول : يريد به التنبيه على اختصار الإنسان من الموجود ، فإذا كمل الإنسان كان قد اتصف بالمجموع عموما وخصوصا ، فمادام هذا الكامل موجودا وهو متصف كما قلناه والوجود من حيث هو فان في حقيقة اللّه تعالى ، فيكون في الحقيقة عند عدم دوام هذا الكامل به ينطق وبه يسمع وبه يبصر كما ورد في صحيح الحديث ، وسبيل اللّه إلى الوجود وهو الكامل المذكور .
وقوله : ( وبك أعطي ) يريد بالعطاء هاهنا فيض العبارة من حيث الجزئية ، وفيض التكوين والتصوير من حيث الجمعية ، ففيض العبارة هو أنه بواسطة عبارة العارف الواردة من العلم عرف الجاهلون اللّه ، وبواسطة وجوده الصوري وجد الإنسان كالحال في آدم عليه السلام ، فعبارته يعطي اللّه العلم ، وبوجوده يوجد اللّه المخلوقات ، فهو في الظاهر واسطة بين اللّه وخلقه ، وفي الحقيقة متصف .
وقوله : ( وبك آخذ ) معناه أنه لما أراد اللّه أن يتصف بالتقييد بعد ما كان ولا شيء مطلقا مظهر بالحقيقة الآدمية مقيدة في هذه الصورة ، وهي مختصرة كما قلنا ، فصدق على
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 221
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢٢١