الصور تنطبع في مرآة الظاهر تسمى انفعالا لأنه ليس نقلة من الأولية حتى يصدق عليه اسم التكوين ، ولا فعل ظاهر من الغيب إلى الشهادة ، وإنما هو تطور الإنسان في الظاهر من صورة إلى صورة ، فلما كان مختصا بالظاهر ، وليس هو نقلة من الأولية ، وإنما خصصناه باسم الانفعال ، وقد قلنا في كتاب الختم أن النقلة توجب الانفعال ، ولم نقل هي نفس الانفعال ، والحاصل من الفرق هو أن التكوين المسمى بالنقلة يكون طبعا والانفعال يقارنه اختيارا عن غيره إذا صدقت عليه النقلة يشهد الفاعل مرتقما في مرآة الظاهر ، فلما كان هذا الشاهد متيقنا بالاتصاف مسمى بالفاعل قال : ( فما بقي في الكون موضع إلا ارتقم بكلامي ) فقد مثّل الوجود مع كثرته وتعدد صوره واختلاف أنواعه بصورة الكلام ، لأن الكلام يلحظ منه صورة الفيض والوجود عبارة عن قوله : ( وما سطر كتاب إلا من مادتي وألقابي ) يريد به أنه وإن انفردت الأشخاص بتقييد المعاني في الكتب ، فاللّه تعالى هو الفاعل لهذا التقييد ، وهو المفيض على هذه القلوب المتعددة ، والمادة هو علم الذات ويتفرع منه صورة الفيض المختلف باختلاف القلوب ، والإلقاء « 1 » اسم من أسماء الفيض .
( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : الصمت حقيقتك ، ثم قال لي : الصمت لا غيرك والصمت ليس إليك ) ] .
( ش ) أقول : مراده بهذا الخطاب إعلام هذا الشاهد بأصل نشأته وإسنادها إلى الحقيقة ، لأنه في الحقيقة لا خطاب ولا سامع ، وهذا أصل الوجود ، فإذا اتصف الكامل بهذا الوصف تيقن أن حقيقته ذاتية لا خطاب فيها ولا سمع ، لأنه لا تمييز هناك فلا افتقار إلى تعريف لكن اليقين هاهنا ليس هو يقين إدراك ، وإنما هو يقين مشوب بعيان ولهذا عرف به تعريفا ولم يعلمه طبعا ، فلو أنه بريء عن البصر والسمع كان يعلمه طبعا ، فلما افتتح في هذا الشهود بالارتقام مظهر الحقيقة العبارة والنطق نبّه على أصل حقيقته في صورة زجر يلحظ منه أنه لا حقيقة للعبارة المظهر للكثرة التي لا حقيقة لها .
وقوله : ( الصمت حقيقتك ، ثم قال لي : الصمت لا غيرك ، والصمت ليس إليك ) .
أقول : مراده بهذا الخطاب تمكين تعيينه بحقيقته ، فإن الإنسان قد يكون له حقيقة ولا يتيقن بها ، فلما قال له : الصمت حقيقتك عرف أن له حقيقة ولم يتيقن أن حقيقته غير ذاته المخاطبة عبارة عن صمت .
هامش
( 1 ) أشرنا آنفا لاختلاف النسخ في هذه اللفظة ، وقد أشار لذلك كاتب الشرح مثل ما ذكرنا .