قوله : ( والصمت ليس إليك ) يريد به أن حقيقة صورتك المشهودة لك ليس وجودها إليك ، وإنما هي مفتقرة إلى الفاعل وأنا الفاعل ، وأيضا فإنني قد أظهرتك على حقيقتك بعد أن لم تكن متيقنا بها ، فالحاصل من هذا كله : إن الصمت عبارة عن أن لا خطاب ولا سمع ، فكأنه قال له : ليس في ذاتك الأحدية كثرة تفتقر إلى التعريف ، وأنا الفاعل لك بهذه الصفات .
( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : إذا كان الصامت معبودك ، لحقت بأصحاب العجل وانتظمت مع أهل الشمس والقمر ، وإن لم يكن الصامت معبودك ، كنت لي ولم تكن له ) ] .
( ش ) أقول : مراده بهذا التنزل التخويف والرهبة لئلا يتحقق الشاهد أن الحقيقة مبنية على الصمت وهو صفة من صفاتها لأن بقوله : ( الصمت حقيقتك ) الشاهد أن الحقيقة عبارة عن صمت وليس كذلك ، وإنما حقيقة الصمت صفة من الصفات فإذا انتمى الإنسان إلى هذه الصفة كان قد استقل بجانب الوجود ، وقد دخل تحت حوطة الشرك مثل أصحاب العجل والشمس والقمر ، لأن كلا من هؤلاء قد وقف عند جهة من الجهات ، فاعتقد أن اللّه محصور فيها وهو يتعالى عن الحصر والأبنية ، فحذّر هذا الشاهد من الوقوف عند صفة الصمت لئلا يصدق عليه الشرك ، فمراده بالأول أي : قوله إن :
( الصمت حقيقتك ) يريد بها حقيقة المعنى .
وقوله : ( وإن لم يكن الصامت معبودك كنت لي ولم تكن له ) يريد به أنه إن لم يقف الشاهد عند صفة من الصفات كان له مجموع الوجود الذي هو عبارة عن اسم اللّه تعالى لأنه اسم جامع لكل ما ينطلق عليه الوجود ، فإذا استقل الشاهد بجهة بعد عنها هذا الاسم الجامع الناطق بالآنية المفهومة من قوله : ( لي ) .
( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : على الكلام فطرتك ، وهو حقيقة صمتك ، فإذا كنت متكلما فأنت صامت ) ] .
( ش ) أقول : يريد بهذا التنزل إظهار فضيلة الإنسان بحقيقة النطق ، فإنه بهذه الحقيقة امتاز عما بقي من الوجود ، فلما قال في الخطاب الأول : ( أخرسني ) علم اللّه أن حقيقة الإنسان ممتازة من النطق وهو طبع لا تعمل له فيه لأنه من نفس الفطرة ، فكأنه حصل عند الشاهد تردد في حقيقة النطق عند وجود الخرس ، فخوطب بهذا التنزل سكر اليقين النطق بأنه موجود في نفس الفطرة ، فإنه وإن وجد الإنسان غير ناطق في الظاهر كان عدم
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 220
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢٢٠