( ص ) وقوله : [ ( ثم قال لي : أنت تنزل الأمر فلا تبرح ، فإن برحت هلكت ) ] .
( ش ) أقول : يريد بهذا التنزل تنزل الأمر على لسان الرسول المقيد وهو الملك وهذا يؤيد ما ذكرناه في أوصاف العارف إذا وصفناه بالنزول والارتفاع ، فقد جعله في هذا الخطاب مقيدا مائلا إلى جهة الخفاء ، ويريد بالتقييد التمييز على الإطلاق ، فالملائكة مقيدون وهم عالم الخفاء وهم الموكلون في تنزيل الأمر ، فلا يزال العارف مائلا إلى جهة الإطلاق المعبر عنه بالخفاء ، ولهذا قال : ( لا تبرح ) يريد به الثبوت الدائم بين هاتين الصفتين مائلا إلى أحدهما وهي الخافية منهما .
وقوله : ( فإن برحت هلكت ) يريد بهذا البراح ضد الثبوت المذكور ، فإنه إن مال بالحقيقة إلى جهة من الجهات استهلكته إطلاقا كانت أو تقييدا .
( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : إذا ركبت البغل لا تنظر من أي طرف أنت فتهلك فإذا ركبت فاصمت ) ] .
( ش ) أقول : معنى هذا الخطاب هو المعنى السابق بعينه ، فإن الراكب على البغل واقف في الحد المشترك بين الصاهل والناهق ، وهما صفتان متحدتان في ذات واحدة يعبر عنها بالبغل وهو عين مراده الأول الذي في قوله : ( لا تبرح فإن برحت هلكت ) ، وهاهنا قال :
( لا تنظر من أي طرف أنت ) يريد بالطرف الصفة وهو عين الثبوت الأول .
وقوله : ( فإذا ركبت فاصمت ) يريد بهذا الصمت السكوت من الجري ، فإن السامع يعود في تحصيل حصر المعاني ، والعود هو الجري بالحقيقة ، فإذا صمت الجاري كان ثابتا ولا ينظر في ثبوته أماما ووراء ، لكنه يقتصر على حصر بصره ، والاقتصار على الركوب فقط .
* * *
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 215
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢١٥