والظلمة المذكورين يسمى حدا لأنه يعود لا جسم له ولا يتعقل إلا بوجود الاثنين ، ومحله في الفصل المشترك للنور والظلمة ، ولهذا ووري عنه بالخط إذ لا يتميز النور من الظلمة إلا به ، إذ نور الحقيقة وظلمتها متشابهان فيرد هذا النور الفاصل مباينا لهاتين الصفتين ، فيحلهما متميزين ، وأما توريته عنهما بالحجاب لأنه إنما ظهر منهما أخفى الآخر ، ولا معنى للحجاب إلا المانع بين الناظر والمنظور أو بالعكس لتخفي أحدهما في الآخر ، وهذا في الحقيقة ، وأما في الظاهر فإنه متى ظهر النور خفيت الظلمة فظهور النور حجاب الظلمة عن الظهور ، وكذلك الظلمة فإنها إذا ظهرت خفي النور فيكون ظهورها حجابه .
فقوله : ( النور حجاب ) أي حاجز عن الظلمة ، والظلمة حجاب أي حاجزة عن النور الذي مراده أن يكون أحدهما محجوبا بظهور الآخر .
قوله : ( وفي الخط بينهما تشعر ) يريد به أن وقوف الشاهد في الفصل ، فإنه في آن وقوفه بهذا المحل يدرك الصفتين أعني : النور والظلمة ، كل واحد منهما يباين الآخر فشعوره ها هنا إدراك ، وهذا الشعور يكون له عند وقوفه بين الإطلاق والتقييد فإن هناك يظهر حقيقة النور وحقيقة الظلمة معا ، فيكون النور لحقيقة التقييد ، والظلمة لحقيقة الإطلاق ، فالشاهد يدرك هاتين الحقيقتين في شهود معين وفي شهود آخر قد يشهدها شهودا ولا يدركها إدراكا مفصلا ، ففي حال إدراكه لها يجتمع الشهود والإدراك فتمييز واحدة من الأخرى وهذا مراده ، ولا يزال جاريا في هذا الشهود المقرون بالإدراك إلى حيث انتهاء الصورتين المذكورتين ، والفائدة في هذه النهاية قطع هاتين الصفتين فلو لا أنهما متمايزتان لقطعنا واحدا والواحد لا نهاية له ، فلما تمايزتا وصدق عليهما الحصر بلفظ الحجاب ، وجب أن يكون لهما نهاية عند وجود النقطة إذ النقطة نهاية الخط ، وتوريته عن هذه النهاية بالنقطة لأن النقطة شيء لا ينقسم ، والنهاية آخر كمال لا يتجزأ .
وقوله : ( فاعدمها في صلاة المغرب ) يريد بعدم هذه النهاية عدم النور عند وجود الظلمة ، فإن صلاة المغرب فاصلة بين الليل والنهار ، وهما الصفتان الموري عنهما أولا بالحجب ، وصلاة المغرب منسوبة إلى الظلمة ، فكأنه قال : اعدم حد الفصل عند تمكين الظلمة ، فالنقطة مائلة إلى النور لأنها نهاية الفصل ، فإذا تمكنت الظلمة زالت النقطة وفي الشهود لا يجمع للشاهد بين النقيضين إلا إذا مرّ على النور حتى فني ، وابتدأ الفناء « 1 » في
هامش
( 1 ) الفناء : فناء رؤية العبد لفعله بقيام اللّه تعالى على ذلك .
هذا هو قسم من أقسام الفناء ، وهو فناء الفعل في الفعل ، ولم يشمل على فناء الصفة والذات في الذات .