مروره على الظلمة ها هنا ليباين النور ، ولهذا كان بينهما حاجز عبر عنه بالخط .
( ص ) [ ( قوله : ( ثم نم على وتر العتمة ، فإذا جاء السّحر ارتفع التكليف ، وسقطت المؤن ، وكنت أنت متعاليا عن هذه الأوصاف ) ] .
( ش ) أقول : مراده بالنوم على الوتر هو الوقفة في الركعة الثالثة من صلاة المغرب فإن بكمال هذه الصلاة تفشى الظلمة التي لا جري منها لأنها لا أبنية لها ، ولا نهاية لها ما دام الشاهد فيها ، فكأنه قال له : إذا تمكنت التي هي محل الوقفة فقف ، لأن النوم وقفة برزخية لا جري فيها ، ولهذا كان فصلا بين الموت والحياة ، فالواقف فيه ينتفي عنه صفتا الموت والحياة .
وقوله : ( فإذا جاء السحر ارتفع التكليف ) . يريد بالسحر ها هنا آن الإرادة ، فإنه في هذا الآن يريد اللّه الظهور بالمقيدات ، فإذا أراد علم ، وإذا علم أوجد ، فيكون وجود المقيدات آن ظهور الشمس ، فالإرادة والعلم من صفات الذات الموصوفة بهذه الظلمة المعبر عنها بالليل ، فعند ابتداء زوال هذه الظلمة ، وهو وقت السحر تبتدئ بالإرادة وتكملها وتتصف بها تبتدئ بالعلم وتكمّله حتى يصير اسما ، ويتصف بها فيفنى هاتين الصفتين في حقيقتها إلى حين ظهور الضوء المباين لهذه الظلمة ، وأيضا فإنه إذا جاء السحر يكون فيه النزول إلى سماء الدنيا ، فيرتفع عن العباد كلفة ارتكاب الذنوب وهذا النزول يوجد حيث وجود الإرادة ، لأنها صفة تقييد يظهر بها الحق في ذاته حتى يصدق عليه النزول ، فإذا أطلق هذه الصفة على نفسه أوجد التكليف حتى يزيله بالستر والتوبة في حال النزول ، فعند الارتفاع من هذا النزول يرتفع التكليف الذي وجد للنزول .
قوله : ( وسقطت المؤن ) يريد به صفة أهم من التكليف ، فجعل التكليف للتوبة والمؤن للغفر ، وهما صفتان واردتان في حديث النزول ، ( وكنت أنت متعاليا عن هذه الأوصاف ) يريد بالاعتلاء صورة الارتفاع من النزول ، فإننا قلنا في موضع آخر من هذا الكتاب : إن حد العارف من التقييد ، حظ النزول في الثلث الآخر من الليل ، فحقيقة اللّه من حيث هي لا يطلق عليها النزول لكن ما يطلق على الحقيقة المقيدة ذات الظهور ، فإذا تحقق هذا النزول كان العارف الكامل بفنائه في ذات اللّه قد اتصف بهذا النزول ، ولهذا قال له : ( وكنت أنت متعاليا عن هذه الأوصاف ) ، أي : متعاليا في ارتفاعك عن هذه الأوصاف التي هي صفات التقييد .
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 214
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢١٤