النجاة ، ولهذا قال له : إنه لا يصل إلى قربوس سرجك لنذارة ماء النهر وشدة السير فيه .
( ص ) [ ( قوله : إذا وقفت في الشعور كنت النمط الأوسط ، من دونك إليك ينظر ، والذي علاك إليك يرجع ، وما علاك أحد في الشعور تجد الآن ) ] .
( ش ) أقول : يريد بوقفته في الشعور ووقوفه عند إدراك العقل ، فإذا وقفت أصحاب العقول عند هذا الإدراك ظنوا أنه غاية القصوى ، وليس كذلك ، وإنما هي مرتبة وسطى بين الجهل والعلم ، فإنه من أطلق عليه العقل ، فما حال أن ينطلق ولا يصدق عليه العلم الحقيقي ، لكنه وصل إلى الغاية المهيأة لها ، فلا يصل إلى هذه الغاية المرادة للعقل إلا للمتمكن في الشعور ، فورود هذا التنزل فيه تنبيه دال على ثلاث مراتب :
الأولى : هي الكمال في الجهل .
والثانية : هي الكمال في العقل .
والثالثة : هي الكمال في التحقيق بشرط الاتصاف بعد قطع هذه المراتب مجملة غير مفصلة ، فإن العارف المهيأ للتحقيق يقطع هذه المراتب ، وهو لا يعلم بوجودها فمتى علم بوجودها قبل تهيئة للتحقيق يجب أن يتصف بواحدة منها ، ومحال أن ينطلق العلم عن الجاهل ، فوجب أن يكون مؤديا إلى الاتصاف بالشعور وهي المرتبة الوسطى فقد كان هذا الشاهد في هذا الشهود قد حضرت فيه هذه الثلاث مراتب على سبيل الصفات ، وهو ناطق بثلاثة ألسن كل واحد منها يؤدي إلى الصفة اللائقة به ، وورد عليه هذا التنزل فيه تخيير بين المراتب الثلاثة ، وتنبيه على المرتبة الوسطى الموري عنها بالشعور .
وقوله : ( من دونك إليك ينظر ) يريد به نظر الجاهلين إليه ذوي المرتبة الأولى فإن الجاهل ينظر إلى أصحاب العقول نظرا ينبه على همه لأجل سبقه بالاتصاف بمحل لا يمكنه الخروج منه لشرط كمال الوجود .
قوله : ( والذي علاك إليك يرجع ) يريد بالمستعلي صاحب التحقيق ومرجعه إلى رتبة العقل افتقار من أجل العبارة فإنه يضطر إلى العبارة ولا يمكن له ذلك إلا بعد اتصافه بالعقل ، وهذه ضرورة يلتزم بها العارف في حال العبارة ولا يقدر على الخلاص منها لأن الإصغاء والقبول والجذب مفتقر إلى هذه المرتبة والترجمة أيضا ، فالإصغاء والقبول لأصحاب المرتبة الوسطى ، والترجمة من المستعلي ، فهذا لا يقدر على هذه الترجمة بغير سامع ، والسامعون مستشرفون إلى ما خفي عنهم وكل ما خفي استعلاء بالنسبة إلى عزته ، فالمرتبة العالية والوسطى يفتقر كل منهما إلى الأخرى والافتقار سبب الرجوع إلى المفتقر
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 211
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢١١