الذين من جملتهم العسس وهم الطوافون ليلا لأجل الحراسة ، فالعسس المشار إليهم هم حراس الدين عن الاضطراب ، والمؤمنون لم يعرفوا اللّه إلا بواسطة الرسول فهم تابعوا الرسول نيابة عن اللّه ، بل لا يتبعون اللّه تعالى ، لأنه قال لنبيه صلى اللّه عليه وسلم في كتابه :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
[ آل عمران : 31 ] ، ومنه قول العارف المحقق أبي يزيد رحمه اللّه على ما نقل عنه أنه قال لتلامذته : إذا عسرت عليكم الحوائج ، فادعوا أبا يزيد واتركوا دعاء اللّه ، أو كما قال فلما كانت الأنبياء وسائط بين اللّه تعالى وعباده جعلت أمور العباد إليهم ، وإذا طلب الرسول كان في الحقيقة الطلب للّه تعالى ، ونهج أبو زيد على هذا المنهاج تسليما كليا لعلمه أنه يستمد من الرسول ، والرسالة قد انقطعت وما بقي إلّا أولياء اللّه يستمدون من مقام الرسول ويمدون العباد كالواسطة ، فجعل أبو يزيد نفسه واسطة للجري على منهاج التشريع وعلمه بانقطاع الرسالة والنبوة ، فكأنه قال : اطلبني في الرسول ، لأن الرسول خليفة الأمر هذا ظاهره .
وأما حقيقته : فإن هذا الشهود قد كان المشهود فيه من اسم اللّه ، وخليفة اسم اللّه هو باسم الرحمن ، والقائم باسم الرحمن هو الرسول ، فلما انتقل صلى اللّه عليه وسلم كان الواحد العارف مقامه في التدبير ، والظاهر على العارف صفة الرحمة لعدم الخصوص ، ولأجل التكوين المفتقر في وجوده إلى الرحمة ، فكأنه قال له في هذا المعنى : اطلبني في العارف خليفة اللّه حقيقة ، وهذا الشاهد قد كان في هذا الشهود جزءا نزرا لا يحيط من الوجود إلا بما اقتضت جزئيته ونفسه طالبة لكمالها الذي قد انفصل عنها في حال هذا الشهود ، فكأنه قال له على الإجمال : اطلبني في ذاتك الكاملة أي : عند رجوعك من هذا الشهود وتلبسك بالكمال .
وقوله : ( اطلبني في العسس ) ، يريد به طلب اللّه تعالى من المحيطين بالوجود الطائفين بحقيقته ، وهم في اصطلاح العارفين الأوتاد الأربعة ، ومنهم الشافعي رضي الله عنه على ما قيل ، فإن كل واحد منهم يحيط بحضرة من الحضرات الأربعة وهو عالم بها متحقق بها لا يشارك فيه لبراءته عن المثل في هذا الحال « 1 » ، فكل واحد منه لا يوجد عند اسم من الأسماء التي عبرّنا
هامش
( 1 ) الحال : ما يرد على القلب الأخذ في السير إلى اللّه من غير تعمد ولا اجتلاب ، وهو نعت إلهي كوني حيث أنه تعالى مع كونه واحد العين :كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ[ الرحمن : 29 ] . وأصغر الأيام الزمن الفرد ، وهذا أصل كونه نفيا كونيا فإن في الشؤون عين تحول القلب بالأحوال ، فإن أحوال القلب شؤونه ، ومن شرطه أن يزول في كل زمن فرد ، يعقبه المثل إلى أن يصفو وينتهي إلى غايته ، فهو إلى عدم بفنائه زمانين إما بتعاقب الأمثال ، أو بحكم تعاقب الضد ، ولذلك قال قدس سره :