تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
الإطلاق المنسوبة إلى الليل ليست إطلاقا ذاتيا ، لكنه إطلاق الهوية ، فإن الهوية ها هنا تحتوي على تمييز خاف مثل تمييز آية الليل ، فكأنه قال : اطلب تقييدي في إطلاق هويتي المتميزة بعض التمييز . وقوله : ( واهجرني في النجوم ) ، يريد به الهجران للإطلاق الحقيقي ، فإن النجوم ليست متميزة بنور خارج لكن بأنوار بعضها يميز البعض ، ولهذا جعل نورها يهتدى به فتحققنا أن نورها ليس متميزا بغيره لكنه متميزا بذاته ، فكذلك الحقيقي ، فإن ظلمته لا يظهر فيها نور مميز ، لكن يتميز للشاهد مرة واحدة في آن الاتصاف بذاتها لذاتها ، فإذا اتصف الشاهد بها يأخذ في طريق الهجران لهذه الرتبة إذ لا يزول من حقيقته ، فكأنه قال : اهجرني في إطلاق الاتصاف المماثل للنجوم لأنه إذا اتصف الشاهد بمجموع الأوصاف إلا عند شهوده للإطلاق الحقيقي الجامع بين النقيضين ، فهناك يجمع الليل والنهار في آن واحد ولا يرجع الشاهد من هذا الشهود إلى أن يتصف بالتقييد في شهود آخر ، فيهجر الإطلاق الموري عنه بالنجوم في الحقيقة ما دام في هذا الشهود . ( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : لا تكن طير عيسى ، ثم قال لي : اطلبني في الخليفة واطلبني في العسس تجدني ) ] . ( ش ) أقول : مراده بهذا النهي عن عدم التفريق ، فإن العارف من حين حصّل هذه المرتبة أعني : مرتبة الكمال أعطي معنى الفرق ، وكيفيته ، وأبنيته أوضاع المتفرقات والسبب المفرق لها ، وكل هذه أوصاف تشترط في الفرق فلا يدعي الشاهد الكمال حتى يعطى هذه الأوصاف ، وإلّا فلا يغتر بالمعرفة ، فالعين ترجمان المدبر كما أن اللسان ترجمان القلب ، ولا هذه العين الظاهرة ، وإنما يريد بها عين القلب ، فالعين الظاهرة موضوعة لتفريق الظاهر ، وعين القلب موضوعة لتفريق الخافي ، فإذا عدمت واحدة منهن تكون هيئة حقيقة الشاهد ناقصة كنقص الخفاش عن التفريق الظاهر في النهار عند قهر الأنوار ، فينبغي أن يكون العارف كامل عيني الظاهر وإلا فلا يتحقق عليه تحقيق الظاهر ، ومن شرط الكمال تحقيق الظاهر والباطن والزيادات التي يتضمنها هذا التحقيق ، فنهاه عن العدم الاتصاف بالتفريق اللائق بالظاهر المتوقف على العين ، وطير عيسى هو الخفاش على ما قيل . قوله : ( ثم قال لي : اطلبني في الخليفة ، واطلبني في العسس تجدني ) أقول : يريد بالخليفة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ولهذا قال له : اطلبني في العسس أيضا ، فإن الرسول قائم بأمر الناس