خفاء اللّه تعالى ، فلو علم الجاهل أن المقيدات عين ما خفي عنه لما كان أطلق عليه اسم الجهل ، ولو علم الناظرون في الكتب أن حقيقة المنظوم فيها هو عين الخفاء من المعاني لما كانوا تهافتوا على مطالعة الكتب ظانّين أنهم في طريق معرفة اللّه تعالى ، والحقيقة في النظم الذي هو ظهور المعاني والكثرة التي هي تقييد الوجود واحدة فعلى الإطلاق حقيقة التقييد عين الخفاء وبالعكس والجاهلون قد حققوا اللّه في جهة محصورة ولا يظنون أن مجموع الوجود المقيد فان في حقيقة اللّه تعالى ، والحقيقة الظاهرة له على الإطلاق ففي شدة الظهور الذي هو محصور في النظم عين الرمز كما أنه في ظهور الوجود عين الخفاء .
قوله : ( وهو موضع الرمز ومحل اللغز للأشياء ) ، يريد بالإخفاء المعاني في عين ظهورها وباللغز المغالطة ففي إظهار النظم خفيت معاني العلوم ، وفي ظهور المقيدات خفيت معاني المعلومات ، فالقادر على إخفاء العلم في الرمز هو مغالطا يضلّ الناس ويرشد إلى سبيل الهلاك كرمي الجاهل بقدرة جاعل التقييد في سبيل هلاكه في الجهل . قوله : ( ولو علم أن شدة الوضوح لغز الأشياء ورمزها لسلكوه ) ، يريد بشدة الوضوح المعتقد من ظهور المعاني . فلو علم المعتقدون أنه حقيقة الرمز مع القدرة عليه لركبوا هذا النمط من الفحص عن مشكلاته والبحث عن دقائق معانيه ولا يقفون عند حد الوقوف عليه حتى تيقنوا عليه أن وراء هذا المكشوف معاني خافية ، فيتفحصون عنها فحص جري لا فحص وقوف إلى حيث ينكشف حقيقة المخفي عنه منه ثم إنهم يعتقدون مع عدم العلم أنهم مظهرون معاني ما تحققوه وهم في الحقيقة يخفون ما اعتقدوا كشفه وإظهاره كاعتقادهم أنهم واقفون على حقيقة المعاني الظاهرة ، فكأنه قال : لو علموا أن شدة هذا الإظهار عين الخفاء لأخفوا ما أظهروه إذ النفوس تستشرف إلى الّاطلاع على كنة ما غاب عنها .
( ص ) [ قوله : ( أنزلت الآيات النيرات دلائل لمعاني لا يفهم أبدا ) ] .
( ش ) أقول : يريد بالآيات النيرات أي : الكتاب العزيز فإن في آياته المنفردة حقائق مشكلة ودقائق غامضة لا يكشف عنها إلّا من أنزلنا أو من اتصف بأوصافه بعد الفناء ، فالجاهلون يتخبطون فيها خبط العشواء ولا يتيقنون ما وراءها وإن كان قد أظهر الآتي حقيقة تنزيلها ومرجع أمرها فهم مع كونهم مقلدين له في هذا التقرير لا يتيقنون هذا يقينا لأجل عدم الشهود والاطّلاع على حقائق هذه الآيات ، فإن الآتي بها واقف في الكشف عنها مع الأمر ولم يؤمر بإظهار عللها وكمية كونها وتخصيصها به ، فهذه كلها معاني خافية حيث لم يتكفل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بإظهارها فلا يفهم معانيها مع كونها دالة في الحقيقة
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 206
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢٠٦