خفائه ، وحقيقة خفائه هو عين ظهوره بالمقيدات ومن ها هنا ضلّ كثير من الناس ، وكان الضلال عين تمكين الجهل ؛ لأنه ما ظهر بالكثرة إلا لتتحقق عن الجاهل جهله ، فإننا من حيث الحقيقة لا نشهد كثرة ويشهدها من حيث الظاهر ، فيكون حقيقة هذا الشهود ظهورا بالتقييد كالنزول في الثلث الأخير من الليل ، فتتحقق أن الكثرة إنما ظهر اللّه بها لتمكين الجهل في الجاهل حتى لا يشهد إلا هي ، فكلما اشتد ظهور هذه الكثرة اختفى اللّه عن الجاهل وهو البيان المذكور بخلاف العارف فإنه كلما شهد زيادة التكثر ظهر اللّه له عيانا .
قوله : ( والشعور لأهل الستور ) ، يريد بالستور تمكين الاحتجاب والظهور بالمقيدات هو عين احتجاب الحق الخافي ، فمن حين ظهر بالكثرة صدق عليه الاحتجاب ، وعلى وجهة الستور المذكورة ، فإنه قبل ظهوره بالكثرة لم يكن محتجبا عن نفسه ولم يصدق عليه اسم العزة ، فلما ظهر بها كان عين ظهوره حقيقة ذاته لكن احتجب عن إطلاقه بالتقييد ، وأهل الشعور هم أرباب العقول في الظاهر الواقفون عند حدود العقل ، ولا يتجاوزونه ، فعين الوقوف عند الحد هو الخفاء عن هؤلاء أرباب العقول الذين هم أهل الشعور وحدودهم هي الستور المذكورة ، فكأنه قال : خفيت في البيان والشعور لأصحابه هذه حقيقته ، وأما في الظاهر في الخفاء في البيان هو الخفاء الذي في الحقيقة لكن الشعور ها هنا لأهل الستور ، فيريد به ها هنا أن معرفة الظاهر بأيدي ذوي العقول لأن العقل يحكم على الظاهر فهو مقهور تحت حوطته ، ومن هذا القهر حكمت أئمة العقل على العلويات وعالم الخفاء من روحانيات العلويات ، فكأنه قال : ها هنا خفيت في البيان على الجاهل وحقق ظهوري أرباب الشعور وهم أهل العقل لحكم العقل على الظاهر لا غير ، فإنه كلما أطلق عليه الظهور انحصر هؤلاء تحت حد العقل ، فهذا الاسم الذي هو الظاهر نصيب هؤلاء من المعرفة ، فلما كان هؤلاء هم أصحاب الستور وهي من عالم الظاهر عرفنا أنهم لا يتجاوزون تحقيق ربع الوجود الذي هو مبني على قاعدة العقل .
( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : إن النظم محصور وهو موضع الرمز ومحل اللغز للأشياء ، ولو علم أن في شدّة الوضوح لغز الأشياء ورمزها لسلكوه ) ] .
( ش ) أقول : إن مراده في هذا الخطاب التسابق عليه لكن فيه بعض الاختلاف .
فنقول فيه : إن قوله : ( إن النظم محصور ) مثل قوله : ( خفيت في البيان ) ، فهناك بيان عام وها هنا بيان مخصوص بالنظم وهو ظهور العلم بغير واسطة والبيان هناك ظهور المعلومات بواسطة الإرادة الضرورية ، ففي حقيقة النظم عين خفاء المعاني كما في حقيقة التقييد عين
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 205
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢٠٥