الشهود بقوة الإدراك وشدة النور ، فكأنه قال : أشهدني في عالم الباطن محل التمييز المختص به .
وقوله : ( بمشهد نور الشعور ) يريد به في محل تمكين الشعور والشعور صرف الإدراك ونور الإدراك يباين الأنوار المميزة ، لأنه نور لا يراد للتمييز لكنه مراد للسعة بشرط أن لا حصر ، لكن بقدر طاقة الشاهد ، فكأنه قال : أشهدني الحق ذاته بمحل الشعور ، فلا يكون هناك سوى ذات الحق ، لكنه حيث كان جاريا في هذا الشهود تيقن بالزيادة ، لأنه يلحظ من فحوى الجري الزيادة ، وهذا الشاهد قد لحظ هذه الزيادة ، ولهذا قرنه بالطالع لأن الطالع نور يدرك في حال الجري ، فنور الشعور يشبه نور الطالع ، لكن نور الطالع مقيد ونور الشعور مطلق فهو يشبهه في أن كليهما لا للتمييز ، لكن نور الطالع لتمكين الزيادة ، ونور الشعور لسعة الإدراك ، وكلا النورين لا يظهران إلا للعارف الكامل ، فنور الشعور يشبه الظلمة لأن المراد « 1 » من النور هو التمييز ، وهذا لا يميز بل لا يبقي شيئا ، ويجعل الأشياء عدما إذا ظهر حقيقة وليس ها هنا ظاهرا حقيقة ، ولهذا قرنه مضافا للشعور ، وظهوره بالحقيقة يباين الإضافة ، وأما نور الطالع فيشبه هذا النور في عدم التمييز وزيادة التمكين ، « 2 » فهو شبيه بالأنوار المحسوسة لكنه لا يميز ، فكأنه قال : أشهدني الحق في
هامش
( 1 ) المراد : عبارة عن المجذوب عن إرادته ، فإنه مع تهيؤ المراد له يتعمد في طلبه ، ولا يفتقر إلى الإرادة والقصد ، والمراد : من المجذوب عن الإرادة ، المحبوب ، لا من هو مراد لما أريد به ، لا بد له من إرادة تتعلق بما أريد به منه ، هذا إذا كان المراد لما أريد به من أهل الطريق ، ولا يقع إلا ما هو مراد له ، وأما العوام فقد يظهر بينهم ما أريد به من غير إرادتهم ، ومن خصائص المحبوب ألا يبتلى بالشدائد والمشاق في أحواله من حيث كونه محبوبا ، فإن ابتلي ، فذلك بكونه محبا ، فجاوز المجذوب حينئذ المجذوب عن إرادته الرسوم كلها ، الساترة بخصوصيتها عين الحق ، والذي كشفه بتجليه هو المطلب الفاني ، وجاوز أيضا المقامات من غير مكابدة ومشقة ، فإنها تطوى له ، فلا يفتح عن بصيرته إلا وقد يقع بادي النظر على الحق من غير مزاحمة رسوم السوى .
( 2 ) التمكين : قال قدس سره : « عندنا هو التمكن في التلوين » بمعنى أن يتحقق القلب الفائض بحضرة قاب قوسين لوسيطة تتمانع فيها الأحكام التفصيلية الإلهية وإمكانية ، فترفع بذلك الأحكام . ويعود القلب حالتئذ مطلقا محيطا بها إحاطة الشيء بوجوه تقلباته ، فإذا انتقل من وسيطته المقتضية استواء الأطراف ينتقل بتغليب اسم إلهي ، وترجيح حكم كوني في حقه اختبار ، فإنه هنا لك أبو الوقت الحاكم عليه ، بجعله قاضيا ، بظهور شيء ، أو بإخفائه ، وهذا هو التمكين في التلوين ، فإنه باختياره يغلب حكم التقييد على نفسه ، فينقل من اسم إلى اسم ، ومن وجه إلى وجه ، ومن حكم إلى حكم