في إظهار عدم الخصوص ، وأن لا يغار على إظهار ما منح به قوله : ( ويشاهدني في الصفات ، ولا يشاهدني في الذوات ) يريد به الشهود الصوري فإنه لا يشهد اللّه فيه إلا بصفة من صفاته أو اسم من أسمائه حتى يكون شاهدا ومشهودا مثل وصف وموصوف ، فلا يكون شاهد ومشهود إلا في صفة معينة أو اسم معين وهذا الشهود هو الذي أمر به وهو ضروري لكل شاهد ، قوله : ( ولا يشاهدني في الذوات ) يريد به أنه إذا اتصف الشاهد بالذات لا يكون هناك ثنوية يصدق عليها شاهد ومشهود ، لكنه في حال هذا الاتصاف يكون ذات المعنى عارية عن الصفات ، فلا يشهد الشاهد نفسه ممتازة عن الشهود ، لكن يعود شهوده إدراكا فقط بأن الذات بريئة عن الثنوية ، فلا شاهد فيها ولا مشهود لكن متصف فقط ، وهو الذي عيناه بالإدراك المذكور .
( ص ) [ قوله : ( فإن عيني ذهبت مني ، وإن سمع أو فهم أو علم أو فصل أو جمع لم يدرني وفي الشعور يلوح لأهل النظر الأمور ) ] .
( ش ) أقول : معنى ذهاب المستخلف من عين الذات هو استهلاكه فيها ، فعند هذا الاستهلاك يتحقق للعارف الذهاب « 1 » في عين المشهود ولا أعلم للمشهود هناك عين ولا أعلم شاهدا ، فهذا موضع غلط في النسخ ، والذي يجب أن يكون هكذا أن عينه ذهبت مني أو في أو عيني ذهبت من ذاتي ، فإن العين لا يطلق إلا على معين والذات لا تعين فيها .
وقوله : ( وإن سمع ) في مقام الفناء خطابا ، فلا يظن أنه من أعيان متميزة لكنها ذات واحدة معينة يخاطب صفاتها بلسان الحال ، وهذا السماع لا يكون في مرتبة الفناء المعبر عنه بالذهاب ، وهو المحو لكنه يكون في حال فناء هذا الفناء ، فيكون محوا في إثبات ، وفيه تمكن سماع الخطاب ، فيكون مسامع بغير مسمع .
وأقول : إن هذا الحكم يستعصي على الفهم إذ لا يتعقل الفهم سماعا من غير مسمع ، فهذا حكم آت من وراء الأطوار العقلية كالجمع بين النقيضين وما أشبهه ، وقد ورد العقول واقفون عند حد العقل ، فلا يجب عليهم البحث في هذا إذ لا مسرى لهم في هذه الأطوار
وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
[ يوسف : 76 ] ، فأصحاب هذه الأطوار ليس فوق علمهم إلا اللّه مع أنهم عارفون به ، قوله : ( أو فهم ) يريد به تمكين السماع إن حصل .
هامش
( 1 ) الذهاب : غيبة القلب عن حس كل محس بمشاهدة محبوبه ، فإذا الإحساس إنما يتم من سائر المحسوسات على مشاهدة محبوب يأخذ بمجامع القلب شوقه المفرط .