محل اعتدال .
وقوله : ( فأعطيته الحياة الكلية ) يريد به ظهوره على صفة العدل المذكور ، فإن هذه الصفة جامعة الحياة الكلية بوجود الاسمين في صفة هذا المبعوث ، فإن صفته تحتوي على القبضتين ذاتي الحياة ، فإن كل موجود حي لا يخرج عن هاتين القبضتين إلا الجامع لهما فإنه يحتوي عليهما صلى اللّه عليه وسلم ، ولهذا قلنا : إنه بين اسمي الهداية والضلال ويريد به الجمعية لأن الجامع محله في الحد المشترك بين الاسمين المذكورين .
وقوله : ( وعظمته من جزئه ) يريد به الماء لأن تعظيم كل شيء بحياته لأن الحياة سر ، ومتى ظهر على شخص تمكن تعظيمه .
قوله : ( وخاطبته من وسطه ) يريد به خطاب القلب ، فإنه وإن خوطب باللسان فإن حقيقة الخطاب هي القلب ، ولما كان كل شيء حقا جعلنا اللسان ترجمانا لئلا يكون حكمه باطلا فخطاب الرسول صلى اللّه عليه وسلم كان ظاهرا عن بصيرة حقيقية ، فلم يفتقر فيه حال خطاب اللّه له إلى اللسان ، لأنه آلة لخطاب البشر المقيد ، واللّه بإطلاقه يجل عن تحديد اللسان ومحل القلب من الإنسان الوسط ، فلهذا قال : ( خاطبته من وسطه ) .
( ص ) [ قوله : ( عند ترك التناهي أحبك ، وعند إزالة الأرواح أسرك ، فأصدر واصدع قلب الصدق واقهر وخذ سر الحياة ، واجعله فيمن تريده ، وجرد سيف الانتقام ، وأعلي به منارك ، واقطع به من عاداك ) ] .
( ش ) أقول : معنى ترك التناهي هو سلب الغاية ، وهذا يكون للعارف عندما يتصف بالإطلاق الذي لا تقييد فيه ويعود متحدا باللّه ، ولهذا يقول العارف : إنني فان ولا حقيقة لعيني بعد اتصافه بهذه الصفة ويعود محبوبا للّه تعالى ، وحقيقة المحبة هي الاتحاد ، وليس مراده المحبة المعروفة في لسان الصوفية ، وإنما مراده المحبة الذات ، فإذا تيقن العارف أنه فان وعلم أن لا حقيقة إلا للّه وترك النهاية في عين النهاية كان حب اللّه له ذاتيا لا صوريا ، قوله : ( وعند إزالة الأرواح أسرك ) يريد به بعد الموت وهو محل يعود فيه العبد مشاهدا للرب والعارف متصفا اتصافا والجاهل بعيدا مع قطعه بأن لا يعد فلا يسر من هؤلاء الثلاثة المذكورة سوى المتصف وهو العارف ، وهذا كله يكون حال إزالة الأرواح بالموت الطبيعي هذا هو الظاهر من هذا الكلام ، وأما حقيقة فعند زوال روح العارف في آن الخلع يظهر له بالسرور المذكور ، وهذا مثل قوله :
« لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته . . . »
إلى تمام الحديث ، فإذا تيقن العبد أن اللّه مجموع قواه حصل له
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 195
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص١٩٥