السرور المذكور بواسطة الاتصاف ، قوله : ( فأصدر ) يريد بالصدور الظهور ، وهو مأخوذ من صدر عنه إذا وجد ، فلما علم اللّه تعالى أن هذا الشاهد فان في حقيقته كرر له قول كن تارة عموما وطورا خصوصا ، فالعموم هو صفة المماثلة في الخلق فإن كل موجود صادر عن اللّه تعالى ، فلما اتصف هذا العارف بمجموع الصفات في حال فنائه حدد له الظهور تحديد خصوص بقوله : أصدر فلما كان ظاهرا بالعموم كان مباينا لهذا الظهور المختص به ، ومباينته مثل مباينة الإطلاق للتقييد فظهور العموم تقييد وظهور الخصوص إطلاق ، وصدوره ها هنا بصفة الإطلاق .
قوله : ( واصدع قلب الصدق ) يريد به قطع حقيقة اليقين ، فإن قلب الصدق هو اليقين ، فكأنه عند الصدور الخاص علا على مرتبة اليقين بل أفناها بحقيقة الاتصاف فمثل ما أمر بالصدور يصدع قلب الصدق ، وهو حقيقة اليقين .
وقوله : ( واقهره وخذ سر الحياة ) يريد به قهر المقيدين من الوجود حتى يتصف بهذا السر الذي أمر بأخذه ، فإنه عند اتصاف العارف بالإطلاق يقهر آن الاتصاف مجموع المقيدين حتى يجعلهم واحدا ، وهناك يعطى سر الحياة المشارإليه ، ومعنى سر الحياة هو أنه لا يموت ، لكن يبقى ببقاء اللّه .
وقوله : ( واجعله فيمن تريده ) يعني به نقلة المعرفة من العارف حال انتقاله ، وهو الموت المختص به ، فانتقالها بمراد اللّه ، وإذا شاء اللّه فهو عين مشيئة العارف ، لأنه سبق ذكر اتصافه بالفناء ، فالذي ينقل إليه المعرفة الكمالية يكون مراد العارف الحقيقي لا المراد المعهود ، إذ المراد الحقيقي عين مراد اللّه .
وقوله : ( وجرد سيف الانتقام ، وأعلي به منارك ) يريد به ظهور صفة الإطلاق فإذا اتصف بها العارف يعود ينتقم على المقيدين بها حتى يجعلهم في محل الإطلاق ، وهذا تجريد ضرورة بوهم من العارف ضد ما هو فيه ، وليس مراده هذا الوهم لكن مراده تجريد الضرورة ، فإن كل عارف لابد له أن يجعل الموجودات واحدة ضد التكثر ، وهذه الضدية نقمة ظاهرة زائدة على الكون المعهود ، واستعلاؤه بهذه الصفة على منارة هو دوامه في الفناء الذي هو بقاء حقيقي ، فإنه لما ظهر بهذه الصفة من المعرفة والكمال كان قد استعلى على ما كان عليه من شعاره .
وقوله : ( واقطع به من عاداك ) يريد به قطع الشكوك ، فإنها أعداء اليقين الذي قد صار وصفا لهذا العارف ، فسيف الانتقام هو الهمة في حال وصفه بالإطلاق ، فهناك يقوم
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 196
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص١٩٦