( ص ) [ قوله : ( ثم خصصت واحدا منهم ، فخصصتك بسببه ، فأيدته بالكلمات ثم طهرته من الأدناس ، وحرمت عليه الأكوان ، وقدست محله وشفعته في ذلك ) ] .
( ش ) أقول : إن المخصوص الواحد المذكور هو الرسول صلى اللّه عليه وسلم فهو بالحقيقة خليفة الاسم الظاهر ، فهو قائم في الظهور مقام الاسم في الخفاء وهو أشد تمكينا من الاسم لأن الأسماء لا يدرك الظاهرون حقائقها ، فحقيقة محمد صلى اللّه عليه وسلم ظاهرة للناس عيانا ، فهذا خصوص وكلا الخصوصين تشريف وخصوص وصف ، وإما خصوص داخل على خصوص الوصف ، فمن كونه ظاهرا وإما خصوص تشريف ، فمن كونه جاريا على نمط الشريعة مبرزا من هذه الأمة بين نوعه .
قوله : ( فخصصتك بسببه ) يريد به خصوص المعرفة بالإسلام ، فإنه بإجماع علماء هذه الأمة لا يكون العرفان إلا للمسلم ، فخصوص المعرفة متوقف على الإسلام ، فصار هذا الطاهر صلى اللّه عليه وسلم سبب خصوص هذا العارف إذ كان جاريا على منهاجه .
وقوله : ( فأيدته بالكلمات ، ثم طهرته من الأدناس ) يريد بهذا التنزل عن
قوله صلى اللّه عليه وسلم :
« أوتيت جوامع الكلم »
فإنه لم يجمع لنبي من العلوم بمقدار ما جمع لهذا الرسول الكريم ، لأن مظهره رحماني ، والرحمن أول اسم صدر بعد العليم ، فالمعلومات كلها يحتوي عليها اسم الرحمن ، إذ عنه يوجد ، والمؤيد صلى اللّه عليه وسلم مستقل بها لعموم بعثته ، فهذا الاستقلال تأييده دون المثل ، فإن سائر الأنبياء مستقلون لكن بجهة دون جهة لم تعم بعثتهم ، وهذا مستقل بمجموع الجهات فبعثته للناس كافة ، فأما تطهيره من الأدناس ، فعصمته من كبائر المعاصي وصغائرها ، وحفظه عن وقوع الزلل في كل نفس من أنفاسه ، ولهذا قالت عائشة رضي اللّه عنها لما سئلت عن خلقه فقالت : « كان خلقه القرآن « 1 » » لأنه كان يذكر اللّه في سائر أحيانه .
وقوله : ( وحرمت عليه الأكوان ) يريد به تحريم الدنيا لكونها زائلة ومنعها يملك الأبد ، وهو زمان حقيقة الرحمة ، فلما علم أن هذا ملك زائل ، وزمان منقض منع عن التلبس به لأنه مظهره رحماني ينافي الانقضاء ويلائم الأبد ، قوله : ( وقدست محله ) يريد بتقديس محله نفي وطأة مثله له إذ هو محل لا يرتقي إليه إلا هو ، وهو موضع القدمين بين العرش والكرسي وهو منزه عن وطأة البشر سوى هذا الظاهر بعموم الرحمة ، ولهذا جعلناه في كتاب الختم حاملا لعرش الرحمانية .
هامش
( 1 ) رواه أحمد في المسند ( 6 / 91 ) .