وقوله : ( وشفعته في ذلك ) يريد بالشفاعة شفاعته في المخصوصين من الأكوان بتبعيته ، فإنه لما حرم عليه التلبس بالظاهر له تحرم عليه الشفاعة بعالمه ، فهو بالحقيقة شفيع لكل من وجد من الرحمة ، لأن صورته صورة مختصرة من مجموع وجودها .
( ص ) [ قوله : ( ثم غمسته في البحر ، فركب دابة من دوابه ، ثم سرى في الآن فأنزلته على قبة أرين ، فأعطيته الحياة الكلية ، وعظمته من جزئه ، وخاطبته من وسطه ) ] .
( ش ) أقول : معنى غمسه في البحر هو الحياة العامة الكلية ، كأن غمسه واسطة بين الفاعل ومجموع الوجود ، فأنا أول موجود ظاهر بعد الماء ، فكأنه فتق العماء ، فلما صح هذا الظهور كان أول مغموس في الحياة ، لأنه من حين وجوده مال المجموع إلى الظلمة ولأجل ظهوره بالرحمة لأن الموجودات صادرة عنها فبواسطته صلى اللّه عليه وسلم كان كون الوجود .
وقوله : ( فركب دابة من دوابه ) يريد به منهاج التشريع ، فإن البعثة من آله السير وهي من آلات البحر ذي الغمس ، فلما صدقت عليه البعثة كان مستعليا على الحياة بآلة السير وهي سبيل البعثة ، ولهذا ظهرت له عند الإسراء دابة فركبها ، وسرى ليحقق ما جاء به ، وكان هذا السير تحقيق السبيل الذي بعث فيها لا غير ، لأن المبعوث لا وقفة له فجريه مأخوذ من اسمه وسبيله مركبه ، فلا يزال حيث سمي منعوتا جاريا إلى حيث يصدق عليه الحياة الأبدية ، وصدق هذه الحياة عليه تحقيق غمسه في البحر المذكور . وقوله : ( ثم سرى في الآن ) يريد به الزمان الحاضر هذا حقيقته ، وأما في الظاهر فيريد به آن عروجه ، فإنه لا يلبث أحد في عالم الغيب أكثر من آن واحد ، وليس مراد الشيخ هذا لكن مراده سيره في الآن الزماني الحاضر ، وهو صفة الجري في البعثة إلى حين تحقيقها ببلوغ الغاية ، وهو الاتصاف بالحياة الأبدية .
وقوله : ( فأنزلته على قبة أرين ) قبة أرين في الظاهر بنية في سر نديب جعلت علامة لقطع الشمس في خط الاستواء حين محل الاعتدال ، فالموصوف بالنزول عليها يكون قد ظهر بصفة الاعتدال ، وهي صفة هموم لكل إنسان لكن المبعوث مختص بتكرار النزول على محل الاعتدال ، ويريد بهذا الخصوص اجتماع الرحمة والانتقام في بعثته بظهور الرحمة واستهلاك الانتقام ، لأن وجوده مائل بالموجودات إلى الرحمة لعموم البعثة ، وأقول : إنه مأخوذ من العدل لأنه في السبيل التي بين الضلال والهداية لأن بعثته من الهادي إلى المضل ، فما دام في البعثة يكون بين هذين الاسمين ، وهو مائل إلى الرحمة فوقوفه في محل عدل لا
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 194
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص١٩٤