لا بد أن يعطي هذه الواسطة لتكون المكونات فروعه أي : بنسبة وجودها إليه كما نسب وجود البشر إلى آدم طبعا لا فعلا لكن فعل واسطة .
وقوله : ( فاستويت على عرشك ) يريد به الاستواء على العرش المنسوب إلى الماء لأن الماء أول موجود ، فعند اتصاف العارف بهذا السر المنسوب إلى الماء يستعلي عليه ، إذا صار صفة له ، ومن حين هذا الاتصاف يأخذ في التكوين ، كما أنه من حين وجد الماء أخذ الوجود في الظهور الثابت ، فاستواؤه عليه استعلاء ، واللوح المحفوظ محل تكون العلم الظاهر والمكنونات فيه بمشيئة اللّه ، وهذه المشيئة هي مرادة للّه منه بالكتابة ، ومحال أن يغير ظهور العارف تكوين الزمان بمراده ، لكن إن حدث تغيير ، فيكون بمراد اللّه ، فالاستواء على عرش التكوين يكون من الاسم المصور إن كان علما ، وإن كان صورة مخلوقات ، فيكون هذا الاستواء بعد ظهور الاسم الخالق ، وليس هذا مراده لكن مراده تكوين علم حيث ذكر فيه اسم الكتابة ، فهذا عند ظهور المصور ولهذا كان عطاء القلم بغير واسطة .
وقوله : ( وكتبت في اللوح المحفوظ ما أردته منك ) يريد بالكتابة في اللوح المحفوظ التكوين في الأزل وضعا ، ويحصل منه التكوين الظاهر ، فيكون نتيجته ، فأول مكتوب ثبت من المعلومات في الأزل هو المكتوب في اللوح المحفوظ بعد وجود الاسم المصور الذي عبّرنا عنه بالواسطة ، ولهذا كان اللوح من جملة المعلومات التي لا ثبوت لها حيث أريدت للانتقال من حضرة إلى حضرة ، فلما ثبتت الكتابة فيه أطلق عليه الوجود الظاهر ، فحين أخذ القلم قال باللوح المحفوظ إلى الوجود ، فلما استوى على عرشه كان بدء الوجود ، فالإثبات في اللوح هو أعيان الموجودات ، فقد حصل هذا المقام لهذا الشاهد في صورة الفاعل بواسطة ، والمريد في صورة غير مسماة وهي صورة الذات في صفة الإطلاق ، ولهذا قال له : إنك كتبت ما أردته منك هناك ، فإن الصفات تفعل في الوجود عن مراد الموصوف ، فهذا الشاهد قد كان في هذا المقام مسمى بصفة الفاعل .
( ص ) [ قوله : ( ثم أحييت بعضك ، ثم أكملتك بالحياة ، ثم أخرجت منك أجزاء فرقتهم في زوايا السجن بأصناف اللغات ، وأيدتهم بالعصمة ، وأقعدتهم على الكراسي ، ثم خصصت واحدا منهم ، فخصصتك بسببه ، فأيده بالكلمات ) ] .
( ش ) أقول : معنى أحيا بعضه هو صورة الظاهر ، فإننا لما قلنا : إنه في هذا المقام فاعل ، فلا يمكنه الزوال حتى يتحقق للوجود الظاهر ، والظاهر بعض المجموع أو نقله صادرة عن الأزل ولا يصدق على الوجود الحياة حتى يتسمى بالظاهر ، لأن سر الحياة أول
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 190
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص١٩٠