لا تراني ما دمت في هذه الصفة مقبلا بل معرضا عنك لاستتاري عنك بصفة التقييد .
قوله : ( فسجنتك وأنت محروم ) يريد بهذا السجن تقييد آن واحد في الإطلاق كما كان الغضب عليه في آن واحد ، فإنه في آن الإطلاق ممنوع عن الجري اللائق بصفة الخروج إلى آن آخر ، فيجري فيه إلى حيث انقضاؤه ، ويحصل في الآن الثالث في صفة التقييد ، فالآن الكامل الذي صدق عليه فيه الإطلاق كان مسجونا عن التقييد ، واللّه منفرد بصفة التقييد ورحمته موجودة تميل الشاهد إلى جهة وجوده ، فكأن اللّه أراد له الدخول في حضرته ، فظهر له بالرحمة لتوحده عنها في هذه الصفة المختصة بحضرة اللّه حتى يعود مشاهد له لأن اللّه تعالى لا يشهد في اسم من أسمائه إلا في صفة التقييد ، لأن إطلاقه يستهلك حقيقة الشاهد فلا يبقى شاهد هناك .
فقوله : ( وأنت محروم ) يريد به الأخذ في وجوده في هذه الصفة المذكورة .
( ص ) [ قوله : ( ثم شكلت لك الحروف ، فحفظتها ثم أعطيتك القلم « 1 » فاستويت على عرشك ، وكتبت في اللوح المحفوظ ما أردته منك ) ] .
( ش ) أقول : تشكيل الحروف له هو التمايز في العلم ، لأن المعلومات لطائف وهي أشبه الأشياء بالحروف ، لأنها مع صغر أجسامها دالة على كمال المعنى ، بل مظهره له وكذلك المعلومات في العلم ندرة الذوات ، وهي متمايزة ظاهره للعالم تعالى ، فتشكل الحروف هو تمييزها في صورة خطية مناسبة لوجود الشاهد ، لأن المخلوقات لا يحكم لأنفسها بالعلم إلا بمعاتبة أجسام متميزة ، وأقرب الأجسام إلى اللطافة هو صورة الحرف وحفظه له اضطرارا ، لأن اللّه عالم بالأشياء حفيظ عليها ، وقد قلنا : إن الموجودات فانية في ذاته ، فحفظ الشاهد للأشياء عين حفظ اللّه لها .
وقوله : ( ثم أعطيتك القلم ) يريد به تمكين القدرة على تكوين المعاني ، لأن القلم بالحقيقة هو مكون الحروف الدالة على المعاني ، وصورة العطاء هو تمليك التكوين اتصافا حتى يصدر عنه بواسطة القدرة هذا التكوين ، فلما كان ذلك بمراد اللّه تعالى ذكر فيه الإعطاء ، ونسبه إلى نفسه ، هذا كله تسليم العارف أنه وهب من اللّه تعالى لعلمه أن لا بد من هذا ، فالقلم واسطة إظهار المعاني ، والكون كله معاني العلم ، فعند ظهور كل عارف
هامش
( 1 ) القلم : علم التفصيل ، فإن الحروف التي هي مظاهر تفصيله في مداد الدواة ، ولا يقبل التفصيل ما دامت فيها ، فإذا انتقل المداد منها إلى القلم تفصلت الحروف به اللوح ، وتفصل العلم إلى لا غاية .