تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
الفناء ، وهي رتبة تسمى بقاء البقاء ، فالرد فيها حقيقة إلى الواحدية لأنه ليس بعدها مرتبة كمال ، بل هي آخر المراتب التي يتوقف كمال العارف عليها ، فالزيادة عليها تكون على سبيل اللزوم ، فهذا الرد يدركه العارف بخلاف كل رد حصل له من حضرة الحضرات ، قوله : ( ثم أخرجتك ) يريد به خروجه بالحياة الدائمة من هذا المقام الذي قد فني فيه فلا يصدق سر الحياة إلى حيث خروجه منه ، وأيضا فإن حكمه يعود مستقلا برأيه لا يحكم عليه أحد ليقينه أن لا أحد سوى اللّه ، وهو فان في ذاته فلا يحكم عليه سوى نفسه ولا معنى للخروج إلا الخروج عن الطاعة ، فإن المتيقن أن عليه حكما خارجا واحدا مماثلا يضطر إلى انطواء تحت قهره ، وهذا الوصف يباين العارف فإن تيقن أن الحقيقة للّه بلا ثان ، فلا حاكم مماثل مع كون الكل حاكما بأحديته ، فلا يحكم على العارف سوى ذاته لأن الحقيقة فيها للّه تعالى ، فهذا إخراج عن طاعة المماثلين . قوله : ( ثم أرميتك في البحر ) يعني بالبحر ها هنا سر الحياة ، فعند خروجه من الحضرة المذكورة شهد لنفسه بالفناء ، وهذا الفناء هو عين البقاء ، ولا معنى للبقاء إلا الحياة الدائمة ، فرميه في البحر هو استيداعه في هذا السر المختص باللّه ، وهو سر الحياة . قوله : ( ثم ألقيت أجزاءك في الظلمات ) يريد به ألقاه مع مجموع الوجود في ظلمة الفناء ، فعند هذه الحضرة يعود الشاهد يدرك إدراكا متجزئا على اختلاف الأنواع والآحاد والأجرام الكثيفة واللطيفة « 1 » علوية وسفلية ، وعلى اختلاف الألوان والمطاعم والأزمان الأربعة المنسوبة إلى الحضرات الأربع ، واختلاف الأنوار اللائقة بالفناء ، فكل هذه الأشياء المذكورة في هذه الظلمة أجزاء العارف ، ومن ها هنا قال رحمه اللّه في بعض كتبه : شهدت نفسي في كذا وكذا ، وعدّد أنواعا كثيرة فضل به من ضل وزعموا أنه رحمه اللّه يقول بالتناسخ إلى غير ذلك ، وهو منزه عن أقوالهم ، فمراده بقوله هناك اختلاف الإدراك المذكور المنسوب إلى هذه الظلمة ، أعني ظلمة الفناء ، فإن للفناء مرتبتين أحدهما : صرف إدراك بريء عن التجزؤ ، والأخرى : إدراك متجزئ على اختلاف أنواع الوجود ، فالأولى لا يطلق عليها اسم التجزؤ إذ الشاهد فيها لا يتيقن فيها الاتصاف بسر الحياة ، والثانية
هامش
( 1 ) اللطيفة : كل إشارة دقيقة المعنى تلوح للفهم لا تسعها العبارة ، وهي علوم الأذواق ، والأحوال للأفهام الثاقبة ، المتأيدة بالإشرافات الغيبية ، ولا تنتهي إلى حد يضبطها العدل به ، فيؤديها الناطقة بعبارة يفهم منها حقيقتها كما هي ، وقد يطلق بإزاء النفس التي جعلت محل تدبير والآلات تحصيل معلوماتها المعنوية والحسية والمثالية .
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 186 | أحمد فريد المزيدي / ست العجم بنت النفيس البغدادية