حقه والإطلاق حقه ، والحالتان حاضرتان في وجود هذا العارف لا يخفى عنه واحدة منها ، وكذلك لا يشتد ظهورهما ولا يضعف ، فدائما في يده قسطاس العدل كفة الرحمة إلى جانب الوجود وهو التقييد ، وكفة الحجر إلى جانب العدم ، وهو الإطلاق ، وهاتان الصفتان حالتان في ذاته أحدهما مقابلة للأخرى وهو الممد بصورة الفعل وكل هذا ناشئ عن الأمر ، وكيفية وضع هذا الحجر الذي هو اسم اللّه موازيا للاسم الرحمن شهوده بإرادته لهاتين الصفتين في آن واحد ، وهما صفتا العدم والوجود فهو الجمع بين النقيضين ، ويعبر عنه أيضا بثبوت الأعيان في حقائقها وبجمع الجمع وببقاء البقاء ، فالآن الذي يجمع للعارف فيه هذه الصفات تكون آن عدل والميزان ظاهرة عليه ، فإن عاد العارف بعد كماله شهد هذا الجمع المذكور ، ولهذا لا يذكر فيه حكاية فعل إذ لم يقل عقيب الأمر فوضعت ولا وزنت ولا شيئا من ذلك ، قوله : ( فرجح ) معناه أنه إذا اجتمع الاسمان المذكوران بحقائقهما التي هي صفات الإطلاق والتقييد يترجح الإطلاق على التقييد الذي هو العرش وما حواه ، لأن الإطلاق يظهر على التقييد في آن اجتماعهما الذي هو صورة الوزن ، والتقييد غير ظاهر في حال الاجتماع ، لأن المقيد يصدق عليه صفة الإطلاق والمطلق لا يصدق عليه هذه الصفة المقيدة ، وأيضا فإن اسم اللّه إذا ظهر استهلك الرحمة إلى حيث الخفاء لا إلى حيث العدم ، والرحمة إذا ظهرت غايتها المماثلة لا الاستهلاك لأن اسم اللّه يحتوي عليها ، وهي لا تحتوي عليه ، فرجحان الحجر لجمعية الأسماء فيه ونقصان الرحمة عنه لاستهلاكها حين ظهوره فكأنهما لما اجتمعا في الميزان الذي هو صورة العدل ظهر اسم اللّه لحقيقة هو ظهر اسم الرحمة موازيا ، وأخفت حقيقتها ، فرجح الاسم الذي عبر عنه بالحجر بظهور حقيقته الجامعة .
قوله : ( فقال لي : لو وضعت من العرش ألف ألف إلى منتهى الوقف لرجحه ذلك الحجر ) . أقول : معنى وضعه لكل شيء منطلق عليه هذا العدد صدق الجمعية على اسم اللّه ، فإنه أي شيء وجد كان مجموعا داخلا تحت هذا الاسم ، فكأنه قال : لو كررت هذا الوجود الرحماني ألف ألف مرة إلى آخر النهج المبتدأ فيه بالعدد كان اسم اللّه موجودا ووجوده ظاهر ، فبظهوره على الأشياء يحتوي عليه اضطرارا إذ هو الفاعل والمفعول فاحتوائه لكونه فاعلا وخفاء الأشياء فيه لكونه مفعولا ووصفه بهذه الصفة المفعولية ، لأنه يظهر بالتقييد بصفاته المقيدة وحقيقة عينه التي هي الفاعلة لا تتقيد .
وقوله : ( إلى منتهى الوقف ) يعني به أمرين : أحدهما : إنه من حين ابتدائه بالعدد إلى
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 177
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص١٧٧