تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
الاستعلاء بعطاء كل شيء خلقه بقدر سعته بغير منع والإحاطة من كون الوجود معمورا بالرحمة جاريا إلى مستقره فيها الالتحاق الأول بالآخر كالاستدارة المذكورة ، فهذا الاسم باحتوائه على هذه الصفات يباين الأسماء وأيضا باقتسامه للوجود بقوله تعالى :
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ
[ الإسراء : 110 ] . وقوله : ( فقال لي احمله ) معناه الاتصاف بالخلافة لأنه لا يحمل الرحمة إلا المسمى بها فمن حملها كان مستخلفا عن المستوي عليها والعارف نشأته آدمية مخلوقة على الصورة مختصرة منها ، ولهذا كان واحد عصره لأجل المقابلة في صورة الانطباع في مرآة الذات المميزة للثنوية ، فالشاهد مستقل بصفة الاقتسام وهي صفة التقييد ويستقل المشهود بصفة الإطلاق ولا معنى للخلافة إلا الاقتسام بالقيومية على الأشياء ، فلما قال له احمله كان مثل قوله :
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
[ البقرة : 30 ] لكن الجمعية في هذا العارف أظهر من جمعية آدم لنفسه ؛ لأن الإشارة في استخلاف آدم كانت إلى الملائكة فلو أن ذاته جامعة لحقيقة الملائكة لكان الخطاب لنفسه وهذا العارف رضي الله عنه كان وجوده عند كمال الحضرات واتصف بها في حال فنائه فتكون ذاته جامعة لحقيقة الملائكة الذين هم عالم الباطن فكان لنفسه دون إعلام غيره من عالم الخفاء والظهور . قوله : ( فحملته ) يريد به الاتصاف مشوبا بالعبودية لدخوله تحت الأمر فاستقلاله للاتصاف والطاعة للرب فعند هذا الاتصاف يعود العارف رؤوفا رحيما بأجزائه المتكثرة وتنتفي عنه صفة الانتقام وإن كانت من صفاته لكن أحدا لا ينتقم من نفسه ، والكثرة ذات العارف فلا ينتقم منها لكنه يظهر بصفة الرحمة على المقيدين ليقابل الرحمة بالتقيد لأنه ناشئ عن الانتقام ، فحمله لاستمداده الرحمة من اللّه ويمد بها الوجود لأننا قلنا أن الكثرة في عصره فروعه ، والفروع تستمد من الأصل . قوله : ( فقال لي : ألقه في البحر فألقيته فغاب ) معناه أن عند حمل هذا الشاهد للعرش واستقلاله عطف آخر الزمان على أوله كالاستدارة ؛ لأن هذا الشاهد يستمد من البعثة الرحمانية التي قام بها محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فعاد العرش محمولا مرة ثانية بنشأة هذا التابع ولا يحمل العرش مستقلا به إلا من يكون قد حضر مادة الحياة التي هي الماء إذ هو أول موجود ، والموجودات تستمد منه الحياة وهذا الشاهد قد حصر هذه الموجودات بكماله ، فوجب أن يكون الماء من جملة المحصورات ولهذا قيل له ألقه في الماء وهذا أمر يمكن قدرته على التكوين ، فكأنه قال له : ألق الرحمة في الحياة لتعود مؤثرا في الوجود باشتمال
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 174 | أحمد فريد المزيدي / ست العجم بنت النفيس البغدادية