وقوله : ( ها هنا ما لا يفهم ) ، فإنه يضطر إلى إبراز المعاني ونحن أيضا إذ قد ألزمنا أنفسنا بهذا الشرح .
قوله : ( ثم الثامن والستون : فرأيت ما لا ينقل ) ، أقول إن مراده ها هنا يشبه مراده بقوله : ( لا يفهم ) ، فإن الشاهد لا يقدر على إيصال شيء سوى العبارة عن شهوده ، ولهذا لا يقدر أحد على أن يصف غيره بما عنده من الوصف وتأييد هذا قوله تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] كان تعالى واحدا يبقى أن يدخل تحت الاقتدار الإلهي وجود ثان ، فلما اتصل الشاهد بالفناء عرض عليه أن يبقى واحدا مثله إذ النقلة لا تكون إلا بعد موت العارف الكامل إلى آخر مستعد للكمال العرفاني ، فلو قدر أن ينقله إلى غيره لجاز وجود عارفين في عصر واحد لكن اللّه تعالى واحد ، فالثنوية محال .
قوله : ( ثم التاسع والستون : فرأيت الإشارة ) ، أقول : إن الإشارة ها هنا إلى النفس ، فلما قال شهدت أخذ في الشهود الثاني مشيرا إلى نفسه بالواحدية ؛ لأن مجموع الوجود لا ينقله إلا ذاته فليس في وجود الثنوية فائدة إذا استقل المجموع بحمل نفسه وصفا وعيانا وطوعا ، فلما اتصف هذا الشاهد باستقلال المذكور الواحدي واتصف فهذا كله ، ويرى عن الثنوية عادت الإشارة من نفسه إلى أجزائه المتكثرة والحاصل من هذه الإشارة أنها إلى نفسه من نفسه المطلقة إلى أجزائه المقيدة .
قوله : ( ثم السبعون : فرأيت الكل ) ، أقول : إن شهود الكل بعد رفع الحجب مناسب من وجوه ، أحدها : أن القصد في رفع مجموع هذه الحجب ليدرك الشاهد ما وراءها وهو المحتجب تعالى ، فقد كان عند وجود هذه الحجب شهوده ناشئ من العزة فلما اقتسم بنصف هذا الاحتجاب أي كان محتجبا ومحتجبا عنه أقام عليها حتى رفعت عنه بأسرها فوجب أن يكون المشهود عند الرفع مسمى بغير العزة لأن العزة يقارنها الحجاب ، فوحده من اسم اللّه تعالى ، ولهذا قال : الكل الثاني أن عند حصوله وراء الحجب كان الرب والعبد قد اجتمعا في حضرة واحدة ومقام واحد وليس في الوجود إلا رب وعبد ظاهرا ، فإذا اجتمعا ظاهرين في محل واحد وعاد أحدهما ظاهرا للآخر يكون الكل قد اجتمع في هذا المحل لأن الرب يشهد نفسه مع العبد ظاهرا والعبد أيضا يشهد نفسه مع الرب ظاهرا فكل واحد منهما يشهد الكل فلم يحصل له هذا الشهود من حين وجود هذه الحجب إلى حين زوالها لأن المحتجب لابد أن يستتر في حال الاحتجاب ويخفى عن الموجودات فإذا كانت هو فقد سر عن نفسه شيء فعند تحقيق هذا الزوال أدرك المحتجب ما خفي عنه فكان