استعلاء بقوة ، وهو غلط لأنه ما دام له الشهود فلا يبعد أن يشهده غيره بعين ذلك الشهود لأن النوع باق والعصر لا يخلو عن عارف ، فكأن هذا الشاهد يريد قهر الفيض من غير محله وصورته أن يفيض الإشراق من المغرب وليس يحمله إذ فيض الإشراق مقتضى المشرق ، ولم يك في زمانه حان وقت الشمس أن يطلع من مغربها ، والكلام له أوقات وأزمان مختصة لائقة ، وشيمة العارف وضع الأشياء في محلها ، ولا أعلم ما الذي أخرج هذا العارف من قالب الوضع إلى حيث الإبهام ، وأقول : إن مخرجه عن ذلك مقتضى الكمال إذ فيه خروج وثبوت والغالب ثبوت ، ولا يرتضي العارف لنفسه الخروج إذ الخروج نسبي ، والعارف قد اتصف اتصافا ، فلا يليق به أن يقف عن النسب لكن زمانه يوفّيه حقه ، فإن توهم من العارف غلط أو مغالطة فيكون فعل زمانه لإعطاء الكمال حقه وحقيقة العارف بربه عن المغالطة إذ هي من مقام الهزل ، والعارف قد ركب منهاج الجد اتصافا ، فالغلط الملحوظ منه فعل الزمان ، وإنما يتوجه عليه من الملائمة إذ ترك حكم الزمان يظهر عليه قهرا مع علمنا أنه لا بد من ذلك لاقتضاء كماله له .
فقوله : ( فرأيت ما لا يدرك ) ، هو عبارة عن شهود مجموع الهوية لأنها لا يدركها إلا ذاتها فكأنه قال : شهدت شيئا لا يدركه متفرد عن الهوية ، وهو لما شهد هذا الذي لا يدرك كان مستهلكا في حقيقة الهوية وهي مدركة لنفسها .
قوله : ( ثم السادس والستون : فرأيت ما لا يسمع ) أقول : إن شهود ما لا يسمع هو شهود إدراك الهوية ، لأن الإدراك لا يفتقر إلى السمع بل يعدم في حال هذا الشهود ، ( هاتين ) فشهوده الحضرتين مختص بالهوية التي تستوفي الأسماع والأبصار .
قوله : ( ثم السابع والستون : فرأيت ما لا يفهم ) أقول : إن شهود ما لا يفهم هو إحاطة بمجموع الهوية وهو يشبه قوله : ( ما لا يدرك ) لكن يباينه بالعيان ؛ لأن الشهود نظر عياني والإدراك لا نظر فيه ، فها هنا قد شهد الهوية مسماة واسعة محتوية على مجموع ما يختص بها من حضرات وفصول وأزمان وأيام لا يحّدها العدد ولا يقوى بطش العقل على سعتها ؛ لأنها يجتمع فيها الشيء وضده في آن واحد كالحر والبرد معا والعدم والوجود لكونها كثيرة والعدم لكونها واحدة ، وما دام الشاهد يلحظ نفسه فيها فإنه يصفها بالواحدية ، فعند مطلق الإدراك لا يصفها بشيء وهو حقيقة الشهود الذي قال فيه : إنه لا يدرك ، فلما كان ها هنا الشهود عيانا عبرّ عن غروب إيصاله بعدم التفهيم ؛ لأنه لا يدرك من قال : ما شهدت إلا ملتزما بإظهار مجموع ما شهد ، وإما معاني وإما تمثيل ، والإدراك بريء عن هذا كله فلا يكلف من قال : أدركت العبارة عن المعنى بخلاف .
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 169
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص١٦٩