تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
والتمكين عبارة عن الاستعلاء لكن الاستعلاء على ضربين : استعلاء وصف واستعلاء معنى ، فالعارف الكامل له استعلاء الوصف ويتعالى عن استعلاء المعنى إذ استعلاء المعنى هو على بني الجنس بشرط الاستقلال لجهة دون جهة ، والعارف لا جنس له ولا حصر فيحل عن هذا المقام المعنوي ، ولما كان هذا العارف متصفا بالاستعلاء اتصافا فأخرج من مقام الشهود إلى مقام الجلال ، والخروج كما ذكرنا . قوله : ( ثم الثالث والستون : الجمال ) أقول : إن شهود الجمال بعد الجلال تنزل كالنزول في الثلث الآخر من الليل إذ الجمال اسم مختص بالكثرة فيتناول المقيد إلى الكثرة حتى يظهر بالاسم لئلا يقع النفور ، بل يقع الجذب والقبول بالمحلة الناشئة عن هذا الاسم ، فهذا للتنازل عند كمال التقييد الذي لا افتقار فيه فظهر بالجميل عند كمال الوجود في التحري فيتردد العارف بين الوجود المتحرى وبين اللّه إذ الكل قد انطلق عليه اسم التقييد ففي حال تردده إلى الكثرة يكون تنازلا وحال رجوعه إلى اللّه يكون استعلاء ، وفي كلا الحالتين يظهر الجميل إذ هو صفة مختصة بالتجزء ، فالكثرة مفتقرة إليه كما قلناه ، وإذا تحول اللّه للشاهد في الصورة افتقر الشاهد في هذه الصورة إلى الجمال لئلا يحصل له النفور من الصورة المذكورة عن قهر أو جبروت ، فلما تنازل من شهود اللّه إلى شهود الكثرة رأى حقيقة الجمال في هذا الشهود ؛ لأنه مختص بها . قوله : ( ثم الرابع والستون : فرأيت ذهاب العين ) أقول : إن هذا الشهود حضرة منتزعة من الهوية مختصة بها بشرط أن تحتوي على مجموع أوصافها ، وشيمة الهوية الفناء ، ودأبها الإفناء ، فأي حضرة انفردت منها كانت مفنية خصوصا إن كانت مرادة للزوال كما قال ، فتكون هذه الحضرة ناشئة عن الهوية في حال إرادتها للفناء ، فلما ظهرت هذه الحضرة لعين الشاهد أدرك فيها صورة الفناء وكيفيته ومبتدأه إلى حيث زوال العين ؛ لأن الزوال هو الفناء ، والفناء استهلاك في الهوية ، والاستهلاك هو محو الرسوم المتحيزة ، فلا يزال الرسم مشهودا عند الأخذ في الاستهلاك إلى حيث كمال هذا الأخذ بزوال المعين المذكورة وينطلق على المأخوذ الفناء ، فكأنه في هذا الشهود اطّلع على كيفية الزوال المعبّر عنه بالفناء ، وهذا مثل قوله رضي الله عنه : بمشهد نور الأخذ فشهد هناك الكيفية وشهد ها هنا الصورة . قوله : ( ثم الخامس والستون : فرأيت ما لا يدرك ) ، أقول : إن هذا التنزّل موهم أنه شهد ما لا يمكن لأحد شهوده وتعبيره عنه بالشهود يناقض ذلك ؛ لأنه لولا إدراك شهوده له لما شهده ، وكذلك الإدراك يوهم أنه إدراك ما لا يمكن إدراكه وقد أدركه ، وهذا محل
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 168 | أحمد فريد المزيدي / ست العجم بنت النفيس البغدادية