تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
فنائها النسبي هو عين البقاء الحقيقي فكأنه لما شهد فناء واحد من الكثرة وجد بقاءه في ذاته المطلقة إذ العارف كلما يشهد فناء ظاهرا يدركه بقاء في غيب أحديته الخافية . قوله : ( ثم الثامن والخمسون : الغيرة ) أقول : إن موجب الغيرة ها هنا هو الخوف « 1 » من الفناء الذي يلتحق بالبقاء ، وهذان شهودان في شهود واحد ، ولهذا غار على الكثرة من الفناء ، فلو أنه في شهودين متعددين لما كان حصلت له هذه الغيرة إذ الوجود أن ينطلق وهو كامل ، وأن يتقيد وهو كامل أيضا ، فحالتي كماله في الإطلاق والتقييد لا يخاف على شيء منه الفناء لأنه لا يفنى شيء منه في حال الإطلاق لأجل كماله ، فإذا لم يفنى منه شيئا فلا خوف عليه ولا يفنى منه شيء في حال كمال تقييده فلا تصدق عليه الغيرة الناشئة عن الخوف ، إذ الغيرة خوف يصحبه الشجاعة . قوله : ( ثم التاسع والخمسون : الهمة ) أقول : إن الهمة وارد مناسب للغيرة لكنه عن تمكينها بشرط اصطحاب الشجاعة فلما حصل له هذا الوصف اتصف بالهمة ميلا إلى الإطلاق الحقيقي الذي لا تمايز فيه يوجب الخوف على شيء لأن خوف العارف على شيء إلا منها ولهذا نشأ عن هذا الخوف الهمة والهمة إرادة متمكنة ؛ فلا يصدق عليه وصف من الأوصاف إلا بعد إرادة متمكنة فكأنه حاكم لا محكوم عليه من أجل اتصافه بالهوية في حال فنائه فهو يتهم للإطلاق بإرادة التقييد بإرادة أخرى ، فأراد هذا الإطلاق بعد الهمة الناشئة عن العزة التي موجبها الخوف . قوله : ( ثم الستون : الكشف ) أقول : إن الكشف ها هنا الجزئي في مرتبة الإطلاق ، وهذا هو الكشف الذي قال فيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا . ولا معنى للكشف إلا شهود كل خاف على الإطلاق ، فكأنه قال رضي الله عنه : لو شهدت كل خاف لما ازددت يقينا إذ ليس هو خافيا عندي ، ومراد الشيخ رحمه اللّه : شهود كل خاف في حال الإطلاق إذ الإطلاق لا يحكم عليه بالظهور والخفاء فإن الظهور والخفاء اسمان والمسمى بهما مطلق فلا شيء خاف عليه ؛ والظهور نسبي مضاف إلى الخفاء فكما لا خفاء عنده فلا ظهور عنده إذ الإطلاق بريء عن الأسماء لأنه لا تمايز فيه والأسماء موضوعة لتعارف التميزات فلا أسماء لأنه لا تمايز ولا صفات لأنه لا تعظيم
هامش
( 1 ) الخوف : ما يحذر من المكروه في المستأنف أي : المستقبل ، وجاز أن يتعلق بالماضي حيث يتذكر فواته في سيئات أعماله .