السر ، ولهذا شهد فيه الأشياء متكثرة مع ضدها الواحد ، وهذا وصف العارف حقيقة ويدلنا على استقلاله بالوجود ظاهرا ما أخبرني صاحبي محمد بن محمد الخطيب عن شيخنا فخر الدين إسماعيل ابن عز القضاة كثّر اللّه فوائده قال : سئل القاضي الأجل محيي الدين يحيى بن محمد بن الذكي القرشي عما اختص به من الشيخ العارف الإمام الكامل محيي الدين صاحب هذه المشاهد رضوان اللّه عليه دون ما قرأه من كتبه الكريمة فقال : نعم ، سألته عن معنى
قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه خلق الدنيا ومنذ خلقها لم ينظر إليها
« 1 » » ، والوجود كله باق ببقاء نظر اللّه تعالى ، فكيف يصح بقاء الدنيا مع عدم نظر اللّه إليها ؟ قال رحمه اللّه : فقال الشيخ محيي الدين رضوان اللّه عليه : استغنى عن النظر إليها بنظر العارف الكامل ، أو قال : الإنسان الكامل ، أو كما قال وهذا دليل على تحقق الخلافة للكاملين واستقلالهم بتحمل أعباء الوجود .
قوله : ( ثم الثامن والأربعون : الصدور ) ، أقول : معنى الصدور هو الإحاطة بثبوت السر فإن الصدر محل الأسرار من
قوله صلى اللّه عليه وسلم : « ما سبقكم أبو بكر بصوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في صدره
« 2 » » فهذا وجه الإحاطة ووجه آخر الصدور بمعنى الفيض والظهور ، يقال : صدر عنه وظهر به فالموجودات كلها صادرة عن اللّه بعد إحاطته بعلمها وسعته لها من قوله تعالى :
وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً
[ غافر : 7 ] ، فكلما ملئت الذات بإرادة المظاهر بعضه إلى الكثرة الواحدة على رأينا ، وأما على رأي الظاهرين من العلماء فيسمون هذا الفيض صدورا ، فالصدور يعزى إلى الكثرة والانفراد شيئا فشيئا وينفي أحدية هذا المتكثر والفيض يلحظ في ظاهره تكثرا ، لقولنا : فيض ولا يبعد أن يكون باطنه واحد فيفيض منه وعليه باسم العظمة ، وموجب النطق بالفيض هو أن الجاهل يدرك الكثرة ويتيقنها ولا يقدر على زوال هذا الإدراك عنه لأن اللّه تعالى هيأه لذلك ليتحقق عليه جهله ويصدق على اللّه الكمال ، فوجب لنا في حال العبارة أن نعبر عن هذا المصدور الذي اتفق عليه العلماء بالفيض عن اللّه تعالى إذ الفيض أليق بالأحدية .
قوله : ( ثم التاسع والأربعون : الصديقية ) أقول : إنه خرج من حال الفعل إلى حال
هامش
( 1 ) رواه البيهقي في الشعب ( 7 / 338 ) .
( 2 ) ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم ( 1 / 30 ) ، وابن قيم في المنار ( ص 115 ) ، والنقد ( ص 104 ) .