تركه ها هنا للعقول مثل قوله : كان ولا شيء وهو على ما عليه كان ، ووجه المناسبة أن الطلب للنفس لا غير فإذا عرف نفسه تيقن أنه ما طلب شيئا ولا وصل إلى شيء إذ الكثرة الموصوفة أشياء متعددة ، وهذا كان قصده التوحيد ، فلما عرف أن نفسه مجموع الوجود تيقن أنه لا شيء يطلب كما أن اللّه لا شيء معه الآن ، وقد شهد الإمام العارف المحقق الواصل أبو سعيد الخراز بذلك في قوله : منتهى سفن الطالبين للّه إلى السفر بنفوسهم ، وهذا سفر فناء متيقن لا سفر وجود معتقد ، فمادام الشخص يلحظ نفسه جزءا أو يدركها فلا انتهاء له ولا ترك ، وما دام أيضا يدرك نفسه واحدة بريئة من الثنوية قادرة على التطور والتحول والإطلاق والتقييد فقد صدق عليها الانتهاء الذي يجب بعده ترك الطلب .
قوله : ( ثم الخامس والأربعون : المحبة ) ، أقول : مراده بالمحبة حب الظهور الذي ينشأ عنه المحبة المعهودة لأنه لما ظهر اللّه بالكثرة وتميزت وانطلق الظاهر ظهر بالجميل المزين للبعض بالبعض ، فلما ظهر بهذا الاسم ظهرت المحبة المعهودة المتداولة في لسان المتصوفة كرابعة وما أشبهها ، وهذه المحبة ظهور اسم المانع على وجه المحتجب حال كونه جاذبا فيجذب المحتجب تعالى ، يحصل للمهيأ المحبة حال تخرجه عن المعهود فكلما جذب المحتجب بظهور الجميل والمانع صار بينه وبين المحب المجذوب زيادة الحال وحصل الاشتغال بملاحظة الجمال المقابل وهو خاف ، فلا يزال المحب يجذب آن ظهور الجمال المذكور والمانع بصده عن النظر ، فإن اقتسم بالمانع منع الجذب وحصل له بعض النظر ، فإن استوفى المانع كله واستهلكه في ذاته حصل له النظر العياني وهو منتهى المحبة ، هذا إن كان آخذا في الاستعلاء ، فيكون قدر في مقام إلى مقام ، وإن كان مهيأ للمحبة فقط ، فيكون الجذب المذكور أولا جذب روحانية حتى يستوفي قواه بالمنع على قدرة الرد ويستهلك كماله في ذاتها ، فلا يحصل للمحب الاطلاع حتى ينقضي نفسه الآخر الدنيوي وهذه الصورة المحبة الممنوعة تكون قد تهيأت من حين ظهورها للجذب منها فلا يزال محبة ما دامت مجذوبة بشرط المنع إلى حين الكمال المذكور ، فهذه حقيقة المحبة وما يلزم عنها وقد أشار القشيري رحمه اللّه في رسالته إلى المحبة فقال : هو وجود تعظيم في تمنع المحب الانقياد إلى غير محبوبه ، وهذا لازم عن المحبة وليس حقيقة المحبة فلا يظن بالشيخ صاحب هذه المشاهد رضي الله عنه أنه أراد المحبة المذكورة ولا لازمها الذي ذكره القشيري ، وإنما أراد بالمحبة حب التقييد من الإطلاق لأنه ورد بعد الانتهاء والترك والمحبة المتقدمة في الذكر هي مقام يتضمنه أوصاف العارف [ الصائر ] إلى حد الكمال ، فإذا وصل إلى غاية الكمال لا يطلق عليه المحبة المذكورة فثبت أن مراده حب الظهور ، وهذا الحب مثل قوله عليه السلام حاكيا عن ربه في الحديث الصحيح :
« لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه »
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 158
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص١٥٨