اللطائف ، وإما في الكثائف ، فاللطائف مؤدية إلى المعاني وحل المشكلات الغامضة المستبهمة ، والكثائف هي الأجسام المتميزة فتخترق بالنفوذ ذوات الأجسام المتميزة في حال جريه في الأحدية المتكثرة ، فلهذا أسماه بالسلوك لأنه اختراق من شيء إلى شيء فلو كان في الأحدية العارية عن التمييز لكان عبر عنه بغير السلوك إما بالجري وإما بالإدراك ، فلا يتوهم متوهم أنه جري في ثنوية ولا في أحدية صرفة عارية عن التمييز ، وإنما هو دخول موصوف في صفاته وهذه تسمى أحدية التمييز فصورة التمييز ذكر السلوك والجري الذي يتضمنه السلوك فعرفنا أنه يخترق هذه الصفات المتعددة شيئا فشيئا بتورية السلوك .
قوله : ( ثم الرابع والثلاثون : اللبن ) أقول : معنى اللبن بعد السلوك هو صورة العلم ، فلما وصل إلى محل الاستمداد اللائق بالأنبياء عليهم السلام ظهرت له العلوم التي كانت تنبه على طلبها ، واللبن خلاصة لطائف الأجسام ، وقد تردد في أطوار الجسم حتى لطف وتمكن في اللطافة ، والعلم قد ترتب في الأولية الخافية عن الظهور حتى تمكن تمييزه وتحديد المعلومات فيه فبترداده في الأولية لحق باللطائف لطافة الهوية فليس له مثال في هذا العلم سوى اللبن إذ هو بين اللطافة والكثافة ، فالكثافة الممازجة للطفه ليدرك ، واللطافة هي البياض الذي لا يقبل الدرن ، فلو ورد العلم في صورة ألطف من ذلك المشهود ، لأن تمييز المعاني في العلم تقضي شيئا من الكثافة كالكثافة المصطحبة لهذا المائع الذي هو اللبن ، ولو ورد أكثف لخرج عن حد اللبن .
قوله : ( ثم الخامس والثلاثون : القرع ) ، أقول : مراده بالقرع طلب الزيادة برفع ما تخلف من الحجب وهو النصف فحين الوصول إلى النصف ما يبقى من الارتفاع النصف الآخر ، فيستشرف نفس الشاهد إلى الزيادة التي يعلمها أنها ممكنة وراء الحجب ولا يتنبه نفس الشاهد في مبتدأ هذه الحجب لأجل البهت المبتدأ به في أوائل الاطلاع ، فإذا قطع نصف مسافة الحجب يكون قد صار الاختراق له طبعا معتادا لأن نفسه لا تثبت على نمط واحد فمن حين زوال البهت بالعادة والتردد أحدث في النفس « 1 » التغيير وهو الطلب المذكور والعلم المخبأ لها استمد منها إرادتها له فحصل هذا القرع الذي هو طلب الزيادة بسبب .
هامش
( 1 ) النفس : « بفتح الفاء » روح يسلطه اللّه تعالى على نار القلب الموقدة بهبوب شوقه إلى الظفر بمطلوبه ، والروح المسلط عليها هو من لوائح الوصل والأنس ، ليطفئ شررها بما فيه من برد سكينة العبودية .