وعند السريان الأول الذي هو إرسال النظور نسميه توجها ، وهو مراده ها هنا .
( ص ) [ قوله : ( ثم الحادي والعشرون فرأيت التبليغ ) ] .
( ش ) أقول : معنى التبليغ ها هنا هو تمكين الإرسال لأن الأول هو إرسال سريان غير متمكن فلما يمكن في حضرة من الحضرات صار تبليغ مظهر الشاهدون غيرها ، ولهذا قال : تبليغ لأن التبليغ من الرسول يكون من ربه إلى العباد بشرط القهر وهذا التبليغ بلا قهر لكنه يشاركه في الاسم لا غير لكنه أيضا موكل بهذا التبليغ واحد نسميه ملكا ، وهو اسم من الأسماء الأربعة لأن كل واحد منها نسميه ملكا وترتبهم مرسلين للظاهر بعضهم إلى بعض فهم متوكلون بالنقلة أو الانطباع أو الثبوت أو الظهور ، فكل فعل يليق بحضرة من الحضرات يتوكل به ملك بكسر اللام ، وإن قيل : بفتحها جاز فالنقلة إلى الملك المسمى بالظاهر والانطباع رسوله إلى الباطن والثبوت رسول الباطن إلى الآخر والظهور رسول الأول إلى الظاهر وجند هؤلاء الملوك عالم الخفاء ومساكنها اللطف ، وبالحقيقة لها البلاغ وإن كان الرسول عليه البلاغ فيكون بلاغة مختصرا من الملك المسمى بالظاهر .
( ص ) [ قوله : ( ثم الثاني والعشرون فرأيت الاعتصام ) ] .
( ش ) أقول : معنى الاعتصام الاستقلال لجهة دون جهة وهذا من قوله تعالى :
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً
[ آل عمران : 103 ] ، وفي هذا التنزل إشارة إلى التوكل إذ هو انتماء إلى جهة اللّه دون من سواه ، وهذا الرجل كان قصده الجمع بين الأشياء بصفة الكمال فيعطى كل شيء مما قبل نصيبه إذا ثبت بحقيقة وقد جاء عنه رحمة اللّه عليه عن معتقده فأنشأ يقول :
ما عقد الخلائق في الإله عقائدا * وأنا علمت جميع ما اعتقدوه
وهذا كله موجبه الكمال ، وهذا النظم جواب السائل فلما تيقن أن عقول السائلين متمكنة في الجهل بقولهم للمسلمين أي شيء يعتقد فجمع الأشياء قال : أنا حققت جميع الاعتقادات ومراده الاطلاع على الجميع لا العمل بها وإنما كان اطلاع على حقائق العقائد فقط ، إذ العارف يلزم من معرفته بعد الظهور على الأشياء تحقيق الحق أو إبطال الباطل لإعطاء المراتب حقها .
( ص ) [ قوله : ( ثم الثالث والعشرون فرأيت القدمان ) ] .
( ش ) أقول : مراده بالقدمين محل الثبوت والانقسام بشرط الخصوص المحمدي لأنه موضع مختص بوقفته صلى اللّه عليه وسلم عند الأمراء فاستمد هذا الشاهد الثبوت من خصوص الرسول صلى اللّه عليه وسلم