الشاهد بصفة الذات بعد فنائه أوجب لنا أن نذكر الزمان الذي كان اللّه فيه ولا شيء وهو زمان الإطلاق ولا زمان التقييد ، وكل هذا موجبه منع التقييد .
قوله : ( ثم الخامس عشر : فرأيت السجن ) أقول : معنى السجن هو المتمكن حيث ورد عقيب الغضب وهذان واردان في حال التقييد ، ولهذا تمكن الثاني الذي هو السجن ، وكأنه حرص على المقيدين لئلا يفضي بهم إلى الفناء ، فليس نتيجة الغضب إلا الانتقام الصرف الذي يفضي إلى الهلاك فورد هذا السجن مانعا متمكنا خوفا من صدور الانتقام .
قوله : ( ثم السادس عشر : فرأيت الحروف ) أقول : معنى الحروف ها هنا تمييز العلم في حال الاستقلال بصرف التقييد لأنه لا بد له من التمييز والظهور والفيض فلما منع عن الفيض أفاض على ذاته نورا خافيا ميز الأشياء المرادة للفيض في علمه ، وهذا النور هو أشدّ لطفا من هذا النور المميز في الظاهر لشدة نوره يدرك كأنه خاف ، لأنه لا جسم له يظهر إلى وجود الشاهد ، وإنما هو لطف يدركه على سبيل الإحساس ، ولهذا ميز العلم ، والحروف هي المميزة بين المعلومات ولهذا يدرك كثرة على قدر اختلاف الحروف وتكرارها ، وقد رأينا صورة الحروف وأوردناها في كتاب الختم وعبرّنا عنها باللطائف ، لأنها نشأت في ذلك المقام عن اللطف وصنعت منه وميزت مختلفة بنورانية زائدة على اللطف ، وهذا التمييز لا يكون إلا في العلم اللائق بالأولية ؛ لأن الاطلاع على الأولية يغني ما سواها ويبقى مجرد العلم فعند إرادة التمييز للمعلومات يظهر نورانية لطيفة لائقة بهذا العلم الخافي ، فميز اللطائف التي هي الحروف لأن تمييزها عند تمييز المعلومات ، ومحال أن يحصل هذا المقام إلا وقد استقل الشاهد ، بجهة الأولية وهي صورة السجن المذكور أولا فعاد في هذا السجن تقلب أطوار العلم وهي الحروف المذكورة .
قوله : ( ثم السابع عشر : فرأيت التولد ) أقول : إن التولد ينشأ عن العلم وهو صورة الفيض إلى الوجود الظاهر ، فحيث يرد شيئا فشيئا وروى عنه بالتولد ، وهذا الفيض صورة إظهار ولا يشبهه إلا تولد الأشياء الخافية إلى حيث يطلق عليها الظهور وكما أنها تدرك كأنها محجوبة كذلك يعتقد أنها في محل ضيق مثل ما يحكم على الجنين أنه في محل ضيق ، فعند الولادة تكون صورة الظهور إلى معتقد السعة ومطلق التولد هو صورة الفيض من العلم إلى الظاهر .
قوله : ( ثم الثامن عشر : فرأيت الموت الجزئي ) أقول : معنى الموت الجزئي هو إدراك الشاهد المتصف للنقلة من اسم إلى اسم ، فنسميه في حال اتصافه عند النقلة موتا جزئيا لأنه يدرك واحدا من الأسماء قد انتقل منه ، وواحد إليه ، فالموت المعهود جزئي لأنه لا
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 148
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص١٤٨