يجد المتصف فيه مجموع الأشياء ميتة ولو وجد هذا لكان يعرى عن الاستواء إذ استواؤه بوجود الأربعة ، فمتى انقضى مجموع عالم الظاهر تعود الأربعة ثلاثة وهذا محال ما دام اللّه موجودا متصفا بالكمال فبالحقيقة حقيقة الموت جزئية ، لأن صورة الانتقال شيئا فشيئا ولا ينتقل المجموع دفعة إذ المجموع كليّ ، وأيضا فإنه كلما انتقل من العلم إلى الظاهر شيء يطلق عليه الموت بالنسبة إلى حضرة العلم المعبّر عنها بالأولية ، وكذلك في الظاهر كلما انتقل منه شيء نسميه موتا بالنسبة إلى حضرة الظاهر ، فما دامت الحضرات الأربعة مستوية لا يكون الموت فيها إلا جزءا ، لأنه لا توجد قط حضرة كاملة غير مستمدة وبقدر استمدادها يستمد منها ، وهذا الاستمداد في مصطلح العارفين فيض ومن أراد منهم أن يظهر كماله عبر عنه أيضا بعبارة العامة الذي هو الموت .
قوله : ( ثم التاسع عشر فرأيت الموت الكلي ) ، أقول : معنى الموت الكلي هو فناء الحضرات الأربعة في ذات المتصف ، وهذا عند الإطلاق يطلق عند المتصف مع مجموع الحضرات الموت ؛ لأن الموت الأول نقلة وهذا الموت الكلي هو من حياة إلى حياة ، فانتقل الشاهد بمجموع أوصافه من حياة التقييد إلى حياة الإطلاق لأنها تباين النقلة المعهودة المسماة بالموت في لسان العموم ، وهذه نقلة تسمى فناء وهو البقاء الحقيقي بفناء الأشياء كلها ، ولهذا قال : كلي لأن الكلّي لفظ ينطلق على المجموع فهذا كله في حال هذه النقلة الكلية يفنى أعيانها المتفردة وتبقى عينا واحدة لذات واحدة تدرك صرف الإدراك الذي لا حجاب فيه وهذه صفة الإطلاق ، ومنها يأخذ في التقييد وتعود الحضرات في حقه كالحال الأول عند الاتصاف لكنه ما دام في مقام الإطلاق لا ينطلق عليه المذكور إلى انقضاء آن آخر ، فكأن الحضرات جمعت لهذا الشاهد في حال قوله جزئ وشهد فيها صورة الموت في الظاهر وصورة التمايز العلمي في الأولية وصورة الكمال في الباطن وصورة الإقرار في الآخر عند نقلة الكاملين من الباطن ، فلما اتصف بها فنيت أعيانها في ذاته فانطلق عليها الموت لزوال عيانها وعلى الشاهد ففناء هذه الأعيان هو الكليّ المعبرّ عنه ، ومنه يقول الكامل قد أعطيت سر الحياة من قوله تعالى :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
[ الرحمن : 26 ] ، فلما ذكر الكل وجب أن يكون فناء أعيانها الظاهرة وبقاء ذاته الحقيقية ، فعند اتصاف الشاهد بهذا الاسم يطلق على نفسه التسمية بالسر « 1 » المذكور لأنه فني كل
هامش
( 1 ) السر : يطلق ويقال سر العلم بإزاء حقيقة العالم به ، ضمير به للّه .
قال قدس سره : « سر العلم هو حقيقة العلماء باللّه لا بغيره من الأسماء » . فإن السر في دلالته على معلوم علمه المضاف إليه بجمع الأضداد بالحكم في العين الواحدة ، فحقيقة العالم باللّه بجمعه بين