المظاهر حقها بميزان العدل من محل قوله تعالى :
أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
[ طه : 50 ] ، فإذا اتصف العارف الهوية التي من أسمائها المعطي يلتزم اضطرارا بأداء هذه الحقوق المعطية الفياضة ، فيعطي الربوبية أيضا حقها والعبودية حقها ، فالخضوع مقتضى العبودية ، فأول ما يلتزم من التقييد إذا حق الربوبية ، لأن الالتزام بها عند أول وجوده وقبل تعرف عقله في أداء ما يريد وترك ما ينبغي جادا بمقتضى العقل ، فكأنه عند أخذه من الإطلاق واتصافه بالتقييد أطوارا لها إلى أداء حق الربوبية عند أول وجوده في هذا التقييد وهو الخضوع المذكور .
قوله : ( ثم التاسع فرأيت التعليم ) أقول : معنى التعليم ها هنا عند أول وجوده في التقييد هو معنى تعليم آدم الأسماء بعينه ؛ لأنه وجد في التقييد وبعد وجوده فيه عند كمال نشأته بالدراية تعلم الأسماء ، فهذه مراتب متعددة في التقييد لكنها صفات عدمية لا حقيقة لأعيانها ولا يدركها أحد في مثله ، لكن الجزء المقيد وهو الشخص يدرك هذا في نفسه بغير زيادة في جثمانه إذ الحقيقة في الجثمان لكنه يتزيد بزيادة السعة في الإدراك والبصر ، وقبل هذه الزيادة كان إدراك وبصر لكنه غير محصور فهذه الزيادة تعطيه الحصر وشدة الإدراك ، فقوة الحصر أوجبت اسم التعليم إذ كل حصر ينفرد بذاته ينطلق عليه اسم علم من العلوم . قوله : ( ثم العاشر فرأيت الاشتقاق ) ، أقول معنى الاشتقاق ها هنا هو التمييز للأشياء المحصورة المتعددة ، فكل اسم ينفرد بذاته يشتق من الصفة اللائقة به التي نشأ عنها مثل قول الإمام محمد بن عبد الجبار النفري رحمه اللّه : إن استخلفتك شققت لك شقا من الرحمانية ، وكذلك ، قال : من عصى فاشتق اسم الرحمن من الرحمة التي كانت قبله صفة ، فلما قيد المعلومات بالحصر المراد للتمييز أراد لها المباينة بالاشتقاق حتى يمكن التعليم بتمكين المعرفة إذ الاشتقاق مقتضى المتباين ، فعند إرادة التقييد تتباين الأشياء حتى التمييز يتصف الشاهد بها عن عين تمييزها .
قوله : ( ثم الحادي عشر فرأيت الإباحة ) ، أقول معنى الإباحة : سريان حكم الشاهد في الكثرة الموصوفة بالاشتقاق ، فإذا تمكن هذا الحكم صار الوصف إباحة بشرط وصف الإطلاق تارة والتقييد تارة ويعود له هذا الوصف اختيارا في حال التقييد ينفذ الأشياء في المقيدة عن هذا الاختيار الذي قد صار صفة إباحة وتصطحب هذه الإباحة المشيئة ، وهذه المشيئة ينتج عنها النفوذ في الموجودات مع بقاء الاختيار وينتج عنها الأخطاء والاستمداد أيضا لهذه الأشياء المحصورة ، والحكم هو صورة تقليب الأطوار إلى آنية