قوله : ( ثم السابع فرأيت الظلمات ) أقول : معنى الظلمات ها هنا هو الإطلاق إذ الظلمة صفته فلما كان الكمال يقتضي أنه تارة مقيد ذكر أولا تفصيل الحياة المتنوعة واستمدادها من أصول منبعها ، واتصف بهذا التنوع الذي يقتضي التقييد ، وطورا يقتضي الإطلاق ، ولا يكون ذلك إلا بإدراك الظلمة ؛ لأن الأحدية لا نور فيها يشبه هذا النور المميز إذ هي تزيد على التمييز ، ولهذا لا يكمل أحد إلا إن اتصف أولا بصفات هذه الأحدية التي يطلق عليها اسم الظلمة ، وهذا الاتصاف هو المحو « 1 » المعبرّ عنه بالفناء لكن العارف لا يفتقر وقت إطلاقه إلى قطع مراتب متعددة ، لكنه عند إرادة الإطلاق يدرك هذه الظلمة فقط إذ ليس من التقييد إلى الإطلاق زمان لكنه آن واحد ، فلو افتقر إلى قطع مراتب كان أيضا مفتقرا إلى آنات متعددة ، ومن شرط كماله أن يتقيد في آن ، وينطلق في آن آخر ، فهذه الظلمة صفة الإطلاق بعد التقييد المعبر عنه بالبحور المتعددة .
وقوله : ( ثم الثامن فرأيت الخضوع ) أقول : معنى الخضوع ها هنا القيام بحقوق الواجبات ؛ لأنه من شرط الواصل إلى هذه المرتبة التي يتصف فيها بإطلاق ، والتقييد إعطاء
هامش
( 1 ) المحو : رفع أوصاف العادة .
نص قدس سره في الفتوحات : « إن المحو كالنسخ ، فإن الحكم إذا انتهت مدته انتفض بغيره ، والنسخ في الأحكام انتهاء مدة الحكم ، وفي الأشياء المدة » .
قال تعالى :كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى[ الرعد : 2 ] .
فجريان العادة في كل مخصوص ، وإنما يكون إلى وقت معين ، ثم ينتقض بما هو ليس بعادة .يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ[ الرعد : 39 ] .
والمحو في الكامل ، وإنما في باطنه ، دون ظاهره ، فإن ظاهره متلبس بالعادة .
وباطنه غير مقيد بها ، ومن العادة الركون إلى الأسباب ، فبالمحو يكون الركون ، وتبقى الأسباب جارية على حكم مجالها .
وقيل : المحو : إزالة العلة المؤثرة في القلب ، القادحة في طريق وصوله على الحق ، المورث بقاؤها : الوقفة ، والفترة ، وربما يراد بها أنانية العارف ، فإنها علة لمعرفة اللّه تعالى ، فإن زالت عينها زالت معرفته .
فمحو العلة هنا محو رؤيتها ، ومحو الوقوف مع تأنيها في تحصيل المعرفة ، لا محو عينها ، ألا ترى كيف نفى الحق تعالى منه صلى اللّه عليه وسلم بقوله :وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى[ الأنفال : 17 ] . مع كون الرمي في رأي العين إنما كان من يده المباركة صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه حالتئذ كان ممحوا عن رؤية ذاته ، وكونها علة للرمي الظاهر منها . وقيل : ما ستره ، ونفاه عنك ، بما يرد عليك من جهة الحق ، أو الكون ، فيفيدك بآثاره وأحكامه ، فيمنعك عن التحقيق بالحق في بينونة تستوي معها أقطار الوجود .