تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
وقوله : ( ثم الرابع فرأيت العهود ) أقول : مراده بالعهود ها هنا أن الكامل بعد كماله يلحق بدرجة الاتصاف عيانا لا إدراكا ، لأنه في حال شهود ثبوت الأعيان حصل له الإدراك للأحدية وهذا اتصاف إدراك لا اتصاف عيان ، وهذا هو الغاية القصوى ، ويزداد على هذا الشهود ، ولا تكون هذه الزيادة إلا عارضة مختصة بالكامل بعدم كماله ، وهي قوله : ( رأيت العهود ) ، وصورة ذلك أنه يجمع للعارف الكامل مجموع الوجود في أربع حضرات وهي المسماة بالأسماء الأربعة ، قال اللّه تعالى :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
[ الحديد : 3 ] ، فهذه تحضر للعارف كما قلناه ، فشهدها متبرئا عن مجموعها ، وعن واحد منها ، فيشهد نفسه مجردا عن الأسماء والصفات ، فعند حضور هذه الحضرات يدرك كلا منها بحسب ما يليق به ، فالأولية قبل الوجود الظاهر ويدرك فيها أخذ العهود ، ويدرك قوله تعالى :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
[ الأعراف : 172 ] ، وقول السامعين ( بلى ) ، ومن ها هنا ، قال الإمام العارف سهل رضي الله عنه حيث سئل عن الولي ؟ فقال : من سمع بأذنيه ، قول : ألست بربكم ؟ فقيل له : وأنت سمعت ذلك ؟ فقال : نعم ، وأعرف من كان عن يميني ، وأعرف من كان عن شمالي ، فيشهد فيها أخذ العهود ، فهذا معنى قوله : ( رأيت العهود ) في الرفع الرابع ، وهذا ينزل من أشرف الموارد النازلة ينبغي للواقف عليه ، أن يركب منهاج التعظيم لهذا العارف رضوان اللّه عليه وذلك لأنه تكفل بإظهار هذه المرتبة في ثوب من الخفاء ، فلما عرفنا أنه اتصف بهذه الحضرات وجب أننا نظهر هذا الاتصاف لنشر فضيلته لا غير ، فقد عرف في هذا التنزل أنه حضرت له هذه الحضرات واتصف بها كلامها في محلها اللائق بوصفه ، فحضرة الظاهر مقابلة العدم ، وحضرة الباطن مقابلة الوجود الذي ضد العدم ، وحضرة الآخر هو الوجود ، وحضرة الأولية التي هي العهود ، فهذه هي الحضرات الأربعة التي يحتوي عليها مجموع الوجود قد فصّلها هذا الرجل عن اتصاف بلا تقصير تقليدي ، وإنما بدأ فيها بالعدم ، لأن القصد في المعرفة فناء الظاهر الذي هو المقيد ، إذ الحقيقة بريئة عن التقييد فمتى وصل المراد « 1 » للمعرفة ، إلى هذا الفناء أعني عدم التقييد يستشرف على كمال المعرفة
هامش
( 1 ) قال القاشاني عن المراد : عبارة عن المجذوب عن إرادته ، فإنه مع تهيؤ المراد له يتعمد في طلبه ، ولا يفتقر إلى الإرادة والقصد ، والمراد : من المجذوب عن الإرادة من المحبوب ، لا من هو مراد لما أريد به ، لا بد له من إرادة ، تتعلق بما أريد به منه ، هذا إذا كان المراد لما أريد به من أهل الطريق ، ولا يقع إلا ما هو مراد له ، وأما العوام فقد يظهر بينهم ما أريد به من غير إرادتهم ، ومن خصائص المحبوب ألا يبتلى بالشدائد والمشاق في أحواله من حيث كونه محبوبا ، فإن ابتلي ، فذلك بكونه محبا ، فجاوز المحبوب حينئذ المجذوب عن إرادته الرسوم كلها ، الساترة بخصوصيتها عين الحق ، والذي كشفه
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 142 | أحمد فريد المزيدي / ست العجم بنت النفيس البغدادية