تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
وقوله : ( فرأيت العدم ) أي : أن الظاهر على العارف صفات التوحيد المفضية إلى عدم الأشياء المتعددة ، فلا يرى إلا عدمها في حالتي الكشف واليقظة ، ففي اليقظة يدرك العدم المقيد ، وفي حال الكشف يدرك العدم المطلق ، فالعدم المقيد هو الفناء مع الثبوت ، والعدم المطلق هو فناء الفناء ، وهو بقاء الأحدية ، فكأنه أخذ من عدم التقييد إلى عدم الإطلاق ، فرأى الفناء الحقيقي عند مبادئ التفصيل الذي جرى فيه على النمط المذكور عند رفع أول الحجب . ( ص ) [ قوله : ( ثم الثاني الوجود ، ثم الثالث فرأيت الوجود ثم الرابع فرأيت العهود ) ] . ( ش ) أقول : معناه إشارة إلى البقاء بعد الكمال الحقيقي وهو عدم العدم المعبر عنه بفناء الفناء فإنه من الوجود إلى العدم الذي هو الفناء ، ومن الفناء إلى فنائه الذي هو البقاء ، وهو الذي عبر عنه بالوجود ، فكأنه رفع أول حجاب من هذا التفصيل ، فرأى فناء الوجود ، فعبر عنه بالعدم ، وبالحقيقة هو عدم التقييد ، وهو العدم النسبي إذ العدم المطلق محال إذ هو ضد الوجود ورفع الثاني ، وهي نقلة من شهود إلى شهود في خلع واحد ، فرأى الوجود الحقيقي الذي هو الثبوت وفيه يجمع العارف بين النقيضين من أجل أنه يرى الكثير واحدا بما تقدم من شهود العدم الأول ، والواحد كثيرا بما طرأ على هذا الواحد من التقييد في حال الاتصاف بالكمال ، فحقيقة العدم والوجود لا يكون إلا في شهود ، وقد يحتوي على هذين الشهودين شهود واحد كما ذكرناه وقد ترد متعددة وواحدة ، فواحدة كل منها في خلع . قوله : ( ثم الثالث فرأيت الوجود ) أقول : يريد به الوجود الثاني : ها هنا هو بقاء البقاء ، لأن الوجود الأول هو البقاء إذ البقاء لا يكون إلا للوجود ، فعند رفع الثاني رأى البقاء الذي هو الوجود بعد العدم ، ولم يعدم العدم في هذا البقاء ، فعند رفع الثالث عدم العدم ونفى موضع العدم البقاء لأنه متى عدم العدم صار بقاء ، وهذا نسميه بقاء البقاء لأن في هذا الشهود أعني الرفع الثاني يشهد العدم والوجود معا ، فيشهد الأحدية ولها العدم ، ويشهد الأعيان الكثيرة ولها الوجود ، فهذا كما ترى شهود العدم والوجود معا إذ لم يكن العدم قد فني ، ففي الرفع الثالث يفنى العدم الذي شوهد مع الكثرة وعبّر عنه بالأحدية ، فنسمي فناء هذا العدم بقاء البقاء ، فهذا معنى قوله ها هنا : ( فرأيت الوجود ) أيضا ، وهذا وجود الوجود حقيقة ، فكأنه قال : وجدت حقيقة الوجود العارية عن العدم .
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 141 | أحمد فريد المزيدي / ست العجم بنت النفيس البغدادية