تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
يأخذ العلوم دفعة ، لأن من جبلته مفطرة عليه لا يقتضي المهلة إذ المهلة للتعلم وهذا لا يتعلم للإرسال ، والأولياء قد يتعلمون لاكتساب هذا العلم ، فيستمدون من الرسل شيئا فشيئا ، فلهذا يطلعون على التفصيل الذي نزل على الرسل بالإجمال ، وهذا معنى قول الإمام العارف الكامل أبي يزيد رضي الله عنه : خضت بحرا وقف الأنبياء على ساحله أي : فصلت ما أجمله الأنبياء وموجب هذا التفصيل حصوله للعارف المستمد شيئا بعد شيء . وقوله : ( ستجد خلف كل ستارة ) هذا دليل على التفصيل أيضا ، فإنا لا نجد في الحقيقة ما يخالف ما جاءت به الرسل ، ولو وجدنا مخالفا لما أظهرناه لقلوبنا الظاهرة إذ لا نمشي إلا على منهاج الرسل عليهم السلام ، فهذا التفصيل الحاصل لهذا العارف عند رفع الستور هو جري على طريقة الرسل ، ولهذا قيل له : فستجد ما وجد الحبيب ، وقد قال في هذا النمط الإمام شيخ الطائفة أبو القاسم الجنيد رضي الله عنه : إن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ، فمتى قلنا : إنه من العلم الذي قال فيه صلى اللّه عليه وسلم : « إنه لهيئة المكنون » ، يجب على السامع التصديق إذ لا يخالف ما أكنه الرسول صلى اللّه عليه وسلم قوله : ( فتأمل واقرأ سبحان ) معناه إذا وصلت إلى هذا التفصيل تحقق ما جاء به الرسول ، وسبح باسم الذي منحك هذا المقام الذي لم يطؤه سوى الأنبياء في حال الإسراء ، فالأنبياء تحققوا بهذا المقام خصوصا والأولياء عموما على الاستمداد الذي عبرنا عنه بالتفصيل ، فإذا تحقق الولي حقيقة ما جاءت به الرسل وجب التسبيح تعجبا بهذه المنحة التي لا يطؤها سوى أهلها ، ويجري في هذا التسبيح إلى حيث كمال الآية ، وهو قوله تعالى :
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الإسراء : 1 ] ، فإذا بلغ هذا الكمال في التلاوة حصل له العلم بتحقيق مراد اللّه من الرسل والأنبياء والأولياء ، فكل له مقام معلوم بمراد اللّه ووهبه ، فمقام الأنبياء المرسلين يباين مقام النبيين غير المرسلين ومقام النبيين يباين مقام الأولياء ، والكل مشتركون في عموم العلم والمميز بينهم خصوص ظهور يستعلي به المرسل على غيره ، قوله : ( وأخبر العباد بما رأيته ) لا يظن وارد إنذار ولا تنزيل أمر ، وإنما هو وارد ، مراده للظهور ؛ لأن الولي يتكفل بإلهام الناس بعلم الحق كالتسليك والتربية والردع عن الضلال وما أشبهه ، وكل هذا جرى على نمط التشريع ويظن أن العارف يستشرف في نفسه إلى ما ليس مقامه وليس كذلك ، وإنما يظهر خفي ما استبهم على الناس ما وضعته الرسل فيطلع عليه العارف اطلاعا ويلحقه بما ثبت في أذهان العوام من التشريع ، وهذا التحلي معنى قوله : ( أخبر العباد بما رأيته ) كأنه قال : إذا تحققت ما خفي عيانا أو كشفا أو واردا أو إلقاء ، فأخبر الناس به