على سبيل عدم الخصوص ، فإن ظن أحد أن العارف خالف منهاج الرسالة ، فإن له فيما قالت الرسل مخرجا من
قوله صلى اللّه عليه وسلم : « تذهب النبوات ولا يبقى إلا المبشرات . قيل : يا رسول اللّه وما هي ؟ قال : الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له
« 1 » » .
و
قوله صلى اللّه عليه وسلم أيضا : « الرؤيا الصالحة »
أو قال :
« الصادقة جزء من ست وأربعين جزءا من النبوة
« 2 » » . فقد أبقى للأولياء سعة ظهور بحكم ما ، فقد يوجد عارف يعمل بهذا الإبقاء ، وهذا العمل من سعة تمكين المعرفة ، قوله : ( تشوقهم إلي وترغبهم فيّ ) هذا ظاهر ذلك أنه متى وجدنا ناطق باللّه أو بحقيقته أو بصرف التوحيد فنطقه باللّه ، وحقيقته توجب التشوق ونطقه بصرف التوحيد يفضي إلى الترغيب ، فكأنه قال له : إذا وصلت إلى تحقيق هذا المقام الذي هو مقام الحبيب أنطق باللّه لتشوق العباد وثني بالتوحيد العام ليرغب الناس في معرفتي المفضية إلى الكمال .
قوله : ( وتكون رحمة لهم ) أي : إنه متى وقع الترغيب في المعرفة المفضية إلى الكمال كان موجب هذا الكمال الرحمة التي لا يشوبها النقمة البتة ، فإذا حصلت لأحد من المتشوقين هذه الرحمة كان الوجوب بالترغيب يصطحب هذه الرحمة الكمال المحتوي على صفتي الرحمة والنقمة ، فالعارف قد اتصف كلا الاسمين والظاهر عليه منهما هو اسم الرحمة فهذا معنى قوله : ( وتكون رحمة لهم ) .
( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : ارفع الستور واحدا فواحدا ، فرفعت الأول ، فرأيت العدم ) ] .
( ش ) أقول : معنى قوله : ( ارفع الستور شيئا فشيئا ) يعني واحدا فواحدا يريد به التفصيل الذي ذكرناه على قدر الاستمداد من الرسل .
وقوله : ( فرفعت الأول ) معناه اتبعت الأمر بالدخول تحت حوطة اسم الربوبية وقوله : ( فرأيت العدم ) معناه أن العارف قبل المعرفة يعتقد أن وراء المعهود من التبعية والأفعال شيئا ، فعن المعرفة تيقن أنه لا شيء وراء الحقيقة المدركة لكنه يزداد في حال المعرفة تمكين النظر العياني ، وحال الاتصاف بالفناء في الهوية ، وهذه كلها زيادات على ما كان عليه حال الجهل ، فالمعرفة تجمع بين حقيقتي ما كان عليه وما اطلع عليه آنفا .
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 6 / 2564 ) .
( 2 ) رواه البخاري ( 1 / 4 ) ، ومسلم ( 1 / 348 ) .