الفاني ، فمتى شوهد هذا العارف كان قد شوهد وجه اللّه تعالى لأن جثة هذا العارف مختصرة من المجموع وهي الصورة التي ينزل فيها إلى سماء الدنيا كما قلناه ، فمظهر صورته هو مظهر وجه اللّه بصفات التقييد .
قوله : ( فاستتر ) دليل تمكين الاسم الذي صدق على هذا الواحد المقيد فمتى صدق عليه الفناء صح له الاستتار ، فإن شوهد هذا العارف مقيدا كان هذا لكماله ، وكان قد أحاط بدرجة الإطلاق وصفات التقييد ، فشهوده في صورة مقيدة من هذه الصفات الظاهرة عليه .
( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : ارفع الستور كلها عني ، فاكشفني فقد أبحت لك ذلك ، واجعلني في خزائن الغيوب حتى لا يرى غيري ، وادع الناس إلى رؤيتي ) ] .
( ش ) أقول : معنى قوله : ( ارفع الستور كلها عني ) هو تمكين اسم العزة للشاهد كما ذكرناه ، ومثال هذا قوله تعالى :
اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
[ الأنعام : 106 ] ، بقوله :
( قد أبحت لك ) ورفع الستور عنه ، وهو تنبيه للمستعدين كقوله :
« فإن لم تكن تراه فاعلم أنه يراك »
، ووجه المناسبة بين الحديث وهذا المراد هو أن ينبه العارف للمستعد الطالب على أحدية الوجود المدرك ، فقول العارف للطالب إن الوجود واحد مدرك لك مثل قوله : ( كأنك تراه ) .
وقوله : ( قد أبحت لك ) معناه أنه بعد كماله يلتزم اضطرارا بعدم الخصوص ، فلا يسوغ له أن يخفي ما بدا له من حقيقة اللّه ، فإذا أبدى ما ظهر له كان هذا عن إذن إلهي موجبه الاتصاف .
وقوله : ( فاكشفني ) معناه أظهر حقيقة أحديتي الظاهرة بالتقييد ، فمتى استند هذا التقييد إلى الإطلاق ووصف بالأحدية كان هذا الوصف كشفا لحقيقة اللّه ، وهذا هو سر التوحيد لا يبديه إلا العارف الناطق بالأحدية ، فهذا الأبد عين الكشف لهذه الحقيقة الخافية ، وهذا لا يكون إلا بعد التمكين في الإباحة ، والقدرة ، والاتصاف ، قوله : ( واجعلني في خزائن الغيوب ) معناه أن كل طالب مستعد ، ففي قوة قلبه سعته للّه كما
قال عليه السلام حاكيا عن ربه : « إنه يسعه قلب العبد المؤمن
« 1 » » ، فمتى أبدى العارف إلى مستعد شيئا من الحقيقة يكون قد أودعه في خزانة غيب ، فمتى ثبت هذا المختزن في قلب هذا المستعد
هامش
( 1 ) رواه الديلمي في الفردوس ( 3 / 174 ) ، وأبو نعيم ( 6 / 63 ) .